الاتحاد الأوروبي يجيز دواءً جديداً يؤخر السكري من النوع الأول

في خطوة تُعد علامة فارقة في تاريخ الطب الحديث، أعلنت شركة "سانوفي" الفرنسية للصناعات الدوائية أن المفوضية الأوروبية قد أصدرت موافقتها الرسمية على تسويق دواء جديد يهدف إلى إبطاء تقدم مرض السكري من النوع الأول. ويأتي هذا القرار ليمثل بارقة أمل جديدة لملايين المرضى وعائلاتهم، حيث يُعد هذا العقار أول علاج مؤثر على تطور المرض يحصل على ترخيص داخل دول الاتحاد الأوروبي.
ويشمل الترخيص الجديد استخدام الدواء لعلاج البالغين والأطفال الذين تتجاوز أعمارهم ثماني سنوات، وتحديداً أولئك الذين تم تشخيصهم في المرحلة الثانية من السكري من النوع الأول، وهي المرحلة التي تسبق الظهور السريري الكامل للأعراض.
آلية عمل الدواء وكبح المناعة الذاتية
يعمل الدواء الجديد، الذي يُعطى عن طريق التسريب الوريدي، بآلية مبتكرة لا تهدف إلى علاج الأعراض فحسب، بل تتدخل في أصل المشكلة المناعية. فمرض السكري من النوع الأول هو مرض مناعي ذاتي يقوم فيه الجهاز المناعي بمهاجمة خلايا "بيتا" المنتجة للأنسولين في البنكرياس وتدميرها. يقوم العقار الجديد بكبح هذه الاستجابة المناعية الخاطئة، مما يحافظ على ما تبقى من خلايا البنكرياس ويؤخر الانتقال إلى المرحلة الثالثة (المرحلة السريرية) التي يصبح فيها المريض معتمداً بشكل كلي على حقن الأنسولين الخارجية.
سياق المرض وأهمية الإنجاز الطبي
لفهم حجم هذا الإنجاز، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية لمرض السكري من النوع الأول. لعقود طويلة، اقتصر التعامل مع هذا المرض على "إدارة الأعراض" عبر تعويض الجسم بالأنسولين المفقود ومراقبة مستويات السكر في الدم بدقة لتجنب المضاعفات الخطيرة. لم يكن هناك أي خيار علاجي معتمد يتدخل لتغيير مسار المرض نفسه أو تأخير ظهوره. لذا، يُعتبر هذا الدواء تحولاً جذرياً من استراتيجية "التعايش مع المرض" إلى استراتيجية "تعديل مسار المرض".
وتكمن الأهمية القصوى لتأخير الإصابة السريرية في منح المرضى، وخاصة الأطفال، سنوات إضافية خالية من أعباء المرض اليومية. ففترة عامين أو أكثر بدون الحاجة للحقن اليومي، وبدون القلق المستمر من نوبات هبوط السكر، تُعد مكسباً هائلاً لجودة حياة الطفل ونموه النفسي والجسدي، كما تمنح العائلات وقتاً ثميناً للاستعداد والتكيف مع متطلبات المرض المستقبلية.
نتائج الدراسات السريرية والفاعلية
استندت موافقة المفوضية الأوروبية إلى نتائج واعدة من دراسة "تي إن-10"، التي أثبتت فاعلية الجسم المضاد أحادي النسيلة "تيزيلد" في تأخير ظهور المرحلة الثالثة من المرض. وأوضحت البيانات أن الدواء نجح في تأخير المرض لمدة متوسطة تقارب عامين مقارنة بالمجموعة التي تلقت دواءً وهمياً.
وفي تفاصيل النتائج، أشارت الشركة إلى أنه في نهاية الدراسة، كانت نسبة المرضى الذين ظلوا في المرحلة الثانية (دون الحاجة للأنسولين) أعلى بمرتين تقريبًا لدى المجموعة التي تلقت العلاج مقارنة بمجموعة الدواء الوهمي، حيث سجلت النسبة 57% مقابل 28%، مما يؤكد الفاعلية الإحصائية والسريرية للعقار.
اعتراف دولي واسع النطاق
لا يقتصر هذا الاعتراف الطبي على أوروبا فحسب، بل يعكس توجهاً عالمياً نحو اعتماد هذا النوع من العلاجات الوقائية. فقد سبق وحصل الدواء على موافقات تنظيمية في عدة دول كبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، وكندا، والصين. وعلى الصعيد الإقليمي، كانت دول الخليج سباقة في اعتماد هذا العلاج المتطور، حيث حصل على الموافقات اللازمة في كل من المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، ودولة الكويت، مما يعكس حرص الجهات الصحية في المنطقة على توفير أحدث التقنيات العلاجية لمواطنيها.



