اقتران الزهرة والمشتري يزين سماء المملكة الليلة في مشهد نادر

تشهد سماء المملكة العربية السعودية والوطن العربي مساء اليوم الثلاثاء حدثاً فلكياً استثنائياً يتمثل في اقتران الزهرة والمشتري، وهو المشهد الذي يُعد الأبرز والأجمل بالعين المجردة خلال عام 2026. وأكد رئيس الجمعية الفلكية بجدة، المهندس ماجد أبوزاهرة، أن هذا التقارب الظاهري يجمع ألمع كوكبين في نظامنا الشمسي في بقعة صغيرة من القبة السماوية فوق الأفق الغربي مباشرة بعد غروب الشمس، مما يتيح فرصة ذهبية لعشاق الفلك والمهتمين بالرصد لتأمل هذه اللوحة الكونية البديعة.
تفاصيل ظاهرة اقتران الزهرة والمشتري وكيفية رصدها
أوضح المهندس ماجد أبوزاهرة أن ظاهرة اقتران الزهرة والمشتري تعد من أهم مناسبات الرصد الفلكي لهذا العام. وسيتمكن الجميع من رؤية الكوكبين متجاورين بوضوح شديد بالعين المجردة من مختلف مناطق المملكة والدول العربية، بشرط خلو السماء من الغيوم وتوفر أفق غربي مكشوف تماماً. وتكمن أهمية هذا الحدث في كونه يجمع الكوكبين الأكثر لمعاناً في السماء بعد الشمس والقمر؛ حيث يبلغ القدر الظاهري لكوكب الزهرة حوالي (-3.9)، بينما يصل لمعان كوكب المشتري إلى (-1.7)، مما يسهل رصدهما حتى من داخل المدن المضاءة التي تعاني من التلوث الضوئي.
وأضاف أبوزاهرة أن المسافة الزاوية الفاصلة بين الكوكبين عند ذروة الاقتران ستتراوح بين 1.5 و1.6 درجة فقط. هذا التقارب الشديد سيجعلهما يبدوان كجسمين متلاصقين تقريباً، مما يمنح المصورين الفلكيين فرصة استثنائية لالتقاط صور نادرة ومبهرة. كما يمكن استخدام المناظير الثنائية البسيطة (مثل 7×50 أو 10×50) لرؤيتهما معاً في نفس مجال الرؤية، في حين سيمكّن التلسكوب الصغير الراصدين من رؤية قرص الزهرة بوضوح ومتابعة أقمار المشتري الأربعة الكبرى المعروفة بأقمار غاليليو.
الأبعاد التاريخية والعلمية لتقارب الكواكب في السماء
على مر العصور، حظيت ظاهرة اقتران الكواكب باهتمام بالغ من مختلف الحضارات الإنسانية. فقد اعتمد الفلكيون القدماء في بابل ومصر القديمة، ومن ثم علماء الفلك المسلمون في العصر الذهبي للعلوم، على رصد هذه الاقترانات لتطوير التقاويم وفهم حركة الأجرام السماوية بدقة. واليوم، يمثل هذا الحدث امتداداً لتلك المسيرة العلمية العريقة؛ حيث يوضح للجمهور بشكل عملي كيف تتحرك الكواكب في مداراتها حول الشمس بسرعات مختلفة.
ومن الناحية العلمية، يشدد الفلكيون على أن هذا التقارب هو تقارب ظاهري فقط ناتج عن زاوية الرؤية من الأرض (المنظور الهندسي)، وليس تقارباً حقيقياً في الفضاء. ففي الواقع، يبعد كوكب الزهرة عن الأرض حوالي 180 مليون كيلومتر، بينما يقع المشتري العملاق على مسافة تقارب 900 مليون كيلومتر، مما يعني أن هناك مئات الملايين من الكيلومترات التي تفصل بينهما فعلياً.
الأثر العلمي والمجتمعي لرصد الكواكب في المملكة
يسهم رصد ظاهرة اقتران الزهرة والمشتري في تعزيز الوعي العلمي والثقافة الفلكية على المستويات المحلية والإقليمية. وتأتي هذه الفعاليات تماشياً مع الجهود المستمرة في المملكة العربية السعودية لدعم العلوم والابتكار وتحفيز الأجيال الناشئة على الاهتمام بمجالات الفضاء والفلك، وهو ما يتقاطع بشكل إيجابي مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في بناء مجتمع حيوي ومواكب للتطورات العلمية.
علاوة على ذلك، فإن مثل هذه الأحداث الفلكية تجذب اهتماماً دولياً واسعاً، حيث يتشارك الهواة والمؤسسات العلمية حول العالم الصور والبيانات، مما يعزز التعاون العلمي الدولي في نشر المعرفة الفلكية. ونفت الجمعية الفلكية بجدة وجود أي علاقة علمية بين هذه الظاهرة وحدوث الزلازل أو البراكين أو أي تغيرات مناخية على الأرض، مؤكدة أن تأثيرات الكواكب البعيدة تقتصر على الجوانب البصرية والجمالية فقط دون أي تأثير جيولوجي على كوكبنا.
نصائح هامة للحصول على أفضل تجربة رصد
للراغبين في الاستمتاع بهذا المشهد المهيب، يُنصح باختيار موقع مرتفع ومفتوح باتجاه الغرب، بعيداً عن المباني العالية والعوائق البصرية. ويفضل البدء في الرصد بعد حوالي 30 إلى 45 دقيقة من غروب الشمس، حيث سيبدأ الكوكبان بالظهور بوضوح في السماء قبل أن يقتربا من الأفق ويغربا كلياً. كما ستزداد السماء جمالاً خلال الأيام القليلة القادمة بانضمام كوكب عطارد إلى نفس المنطقة، ليشكل تجمعاً كوكبياً ثلاثياً رائعاً يستحق المتابعة والتوثيق.



