وزير الدفاع الألماني يعلق على سحب القوات الأمريكية من ألمانيا

أكد وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، أن إعلان واشنطن عزمها على سحب القوات الأمريكية من ألمانيا خلال عام كان خطوة “متوقعة”. وشدد الوزير في تصريحاته على ضرورة أن تبذل الدول الأوروبية المزيد من الجهود لتعزيز أمنها الذاتي وتقليل الاعتماد المطلق على الحلفاء عبر الأطلسي. وقال بيستوريوس في بيان رسمي: “انسحاب القوات الأمريكية من أوروبا، ومن ألمانيا أيضاً، كان متوقعاً، وعلينا نحن الأوروبيين أن نتحمل مسؤولية أكبر عن أمننا في المرحلة المقبلة”.
وكانت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) قد أعلنت يوم الجمعة أن وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، أصدر أوامر بسحب نحو 5 آلاف جندي من الأراضي الألمانية خلال عام واحد. ويمثل هذا العدد قرابة 15% من إجمالي القوات الأمريكية المتمركزة في هذه الدولة الأوروبية الاستراتيجية. وجاء هذا الإعلان بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الأربعاء، أشار فيها إلى أن واشنطن “تراجع إمكان خفض” قواتها في ألمانيا، مؤكداً أنه سيتخذ قراراً حاسماً بهذا الشأن في “فترة زمنية قصيرة”.
الجذور التاريخية للتواجد العسكري الأمريكي في أوروبا
يعود الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا إلى حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تمركزت القوات الأمريكية هناك كجزء من قوات الحلفاء لضمان الاستقرار ومنع عودة الصراعات. ومع بداية الحرب الباردة، تحولت ألمانيا الغربية إلى خط الدفاع الأول لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في مواجهة الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو. على مدار عقود، استمرت القواعد العسكرية الأمريكية في ألمانيا، مثل قاعدة رامشتاين الجوية، في لعب دور محوري ليس فقط في حماية أوروبا، بل كمركز لوجستي رئيسي للعمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط وأفريقيا. لذلك، فإن أي تغيير في حجم هذه القوات يحمل دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز الحدود الألمانية.
تداعيات سحب القوات الأمريكية من ألمانيا على الأمن الإقليمي والدولي
يحمل قرار سحب القوات الأمريكية من ألمانيا تأثيرات واسعة النطاق على مستويات متعددة. محلياً، قد تتأثر بعض المدن الألمانية التي تعتمد اقتصاداتها المحلية بشكل جزئي على وجود القواعد العسكرية الأمريكية والإنفاق المرتبط بها. أما على الصعيد الإقليمي، فإن هذا الخفض يرسل رسالة واضحة للدول الأعضاء في حلف الناتو بضرورة الالتزام بزيادة ميزانياتها الدفاعية لتصل إلى نسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو المطلب الذي طالما ألحّت عليه الإدارات الأمريكية المتعاقبة.
دولياً، يُنظر إلى هذه الخطوة كجزء من إعادة تموضع استراتيجي أوسع تقوم به الولايات المتحدة للتركيز على تحديات جيوسياسية أخرى، لا سيما في منطقة المحيط الهادئ وآسيا. وفي ظل التوترات الحالية في شرق أوروبا، يفرض هذا التوجه على الاتحاد الأوروبي تسريع خططه نحو بناء استراتيجية دفاعية مستقلة ومتكاملة. إن تقليص الوجود العسكري الأمريكي لا يعني بالضرورة تخلي واشنطن عن التزاماتها تجاه الناتو، ولكنه يمثل نقطة تحول تاريخية تدفع القارة العجوز لإعادة تقييم جاهزيتها العسكرية والاعتماد على قدراتها الذاتية لضمان استقرارها في عالم تتسارع فيه التغيرات الجيوسياسية.



