أمراض التكنولوجيا عند الأطفال: مخاطر متزايدة وحلول وقائية

حذر البروفيسور عبدالمعين عيد الأغا، أستاذ واستشاري غدد الصماء وسكري الأطفال بمستشفى جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، من الانتشار المتزايد لما يُعرف بـ أمراض التكنولوجيا عند الأطفال. وأوضح في تصريحات خاصة لصحيفة “اليوم” أن الاعتماد المفرط على الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية أدى إلى نشوء جيل يعاني من مشكلات صحية وجسدية غير مسبوقة، مما يتطلب تدخلاً عاجلاً لرفع الوعي الصحي لدى الأسر وأولياء الأمور للحد من هذه المخاطر المتنامية.
التحول الرقمي وأثره على صحة الأجيال الناشئة
على مدار العقدين الماضيين، شهد العالم طفرة تكنولوجية هائلة غيرت ملامح الحياة اليومية بشكل جذري. ومع الانتقال السريع من الألعاب الحركية والأنشطة الخارجية التقليدية إلى الشاشات الرقمية، تزايدت فترات جلوس الأطفال أمام الهواتف والأجهزة اللوحية بشكل ملحوظ. هذا التحول السريع لم يقتصر على الجانب الترفيهي فحسب، بل امتد ليشمل قطاعي التعليم والتواصل الاجتماعي، مما جعل الأطفال يقضون ساعات طويلة في وضعيات جسدية خاطئة، مهدت الطريق لظهور متلازمات مرضية حديثة لم تكن مألوفة في السابق لدى هذه الفئة العمرية الحساسة.
أبرز أعراض أمراض التكنولوجيا عند الأطفال وكيفية تشخيصها
أشار الدكتور الأغا إلى مجموعة من المشكلات الصحية البارزة التي تسببها الأجهزة الحديثة، ومن أهمها “متلازمة الرقبة التقنية”. وتنتج هذه الحالة عن انحناء الرأس المستمر لأسفل أثناء تصفح الهواتف، مما يضاعف الضغط الواقع على عضلات الرقبة والعمود الفقري ويؤدي لآلام مزمنة في الظهر والكتفين قد تتطور إلى تشوهات في القوام على المدى الطويل.
كما تطرق إلى “متلازمة العين الرقمية” التي تسبب الجفاف والإجهاد البصري نتيجة قلة معدل الرمش الطبيعي أثناء التركيز في الشاشات، بالإضافة إلى حالة “إصبع الهاتف الذكي” الناتجة عن تكرار حركات النقر والكتابة والتمرير لفترات طويلة، مما يسبب إجهاداً كبيراً للأوتار والعضلات المحيطة بالإبهام. ولم يغفل التحذير من “متلازمة الفخذين المحترقين” الناتجة عن وضع الحاسوب المحمول مباشرة على الفخذين، حيث تؤدي الحرارة المنبعثة منه إلى تهيج الجلد وظهور تسبغات مميزة، فضلاً عن “صداع الجوال” المرتبط بالإجهاد البصري والتوتر الذهني المستمر.
الأبعاد الصحية والاجتماعية لانتشار الأجهزة الذكية
لا تتوقف خطورة هذه الظاهرة عند الحدود الفردية، بل تمتد لتشكل تحدياً صحياً واجتماعياً على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، تسعى رؤية المملكة 2030 إلى بناء مجتمع حيوي يتمتع أفراده بنمط حياة صحي ونشط، وهو ما يتطلب الحد من السلوكيات الرقمية الخاطئة لدى الأطفال. وإقليمياً ودولياً، تحذر منظمة الصحة العالمية باستمرار من مخاطر الخمول البدني والسمنة المرتبطة بالاستخدام المفرط للشاشات، مؤكدة أن إهمال هذه الأعراض قد يؤدي إلى جيل يعاني من مشاكل بصرية وحركية مزمنة ترفع من كلفة الرعاية الصحية وتؤثر سلباً على القدرات الإنتاجية للمجتمعات في المستقبل.
طرق الوقاية والحد من مخاطر الشاشات الرقمية
وفي ختام حديثه، أكد البروفيسور عبدالمعين الأغا أن الوقاية من هذه المشكلات لا تتطلب الحرمان التام أو الابتعاد الكامل عن التكنولوجيا، بل تعتمد بالدرجة الأولى على الاستخدام الواعي والمتوازن لها. وأوصى بضرورة تنظيم أوقات استخدام الأجهزة الإلكترونية، وتشجيع الأطفال على أخذ فترات راحة قصيرة ومنتظمة أثناء الدراسة أو اللعب، والحرص على الجلوس بوضعية صحية تحافظ على استقامة الرقبة والظهر.
كما شدد على أهمية ممارسة الأنشطة البدنية والرياضية بشكل يومي، وتجنب استخدام الأجهزة تماماً قبل النوم بساعة على الأقل، مع عدم وضع الحاسوب المحمول مباشرة على الجسم، والاهتمام بإجراء الفحوصات الدورية للعين لضمان نمو الأطفال نمواً سليماً وصحياً على المدى البعيد.



