إصلاحات قطاع المياه في السعودية: نحو تنمية زراعية مستدامة

أكد خبراء ومختصون أن كفاءة إدارة الموارد المائية تمثل الركيزة الأساسية لتعزيز الأمن الغذائي في المناطق الجافة، مشيرين إلى أن إصلاحات قطاع المياه في السعودية التي تبنتها المملكة خلال السنوات الماضية نجحت في تحويل تحديات الندرة المائية إلى فرص تنموية واعدة. وجاء ذلك خلال مشاركتهم في الجلسة الحوارية “من المياه إلى الغذاء.. تحويل الندرة إلى أمن في الأراضي الجافة”، والتي عُقدت ضمن فعاليات أسبوع المياه السعودي 2026، بمشاركة نخبة من المسؤولين والخبراء الدوليين والمحليين، من بينهم المهندس عبدالله بن صالح الحوتان، والدكتور عبدالله بن عبدالمحسن الراجحي، والدكتور نصر الدين العبيد، والدكتور نزار حداد.
مسيرة التحول التاريخي لمواجهة شح المياه في المملكة
تاريخياً، واجهت المملكة العربية السعودية تحديات بيئية ومناخية معقدة نتيجة لوقوعها في منطقة جغرافية جافة وشديدة الجفاف، مع غياب الأنهار الجارية والاعتماد الكبير على المياه الجوفية غير المتجددة. وفي ظل التوسع السكاني والنمو الاقتصادي المتسارع، كان لا بد من إحداث تغيير جذري في السياسات المائية. من هنا، انطلقت رؤية السعودية 2030 لتضع استدامة الموارد الطبيعية في مقدمة أولوياتها، مما مهد الطريق لإطلاق الاستراتيجية الوطنية للمياه والاستراتيجية الوطنية للزراعة 2034. هذه الخطط الاستراتيجية لم تكن مجرد حلول مؤقتة، بل مثلت إعادة هيكلة شاملة لمنظومة المياه والزراعة لضمان حقوق الأجيال القادمة في الثروات المائية.
كيف أسهمت إصلاحات قطاع المياه في السعودية في دعم الابتكار الزراعي؟
ركزت إصلاحات قطاع المياه في السعودية على تبني نهج متكامل يدمج بين تحديث التشريعات وتطوير البنية التحتية. وشملت هذه الإصلاحات إعادة هيكلة التركيبة المحصولية، والحد من زراعة المحاصيل المستهلكة بكثافة للمياه مثل الأعلاف الخضراء. وقد أظهرت الأرقام الرسمية تراجع المساحات المزروعة بالأعلاف من 501 ألف هكتار في عام 2015 إلى 198 ألف هكتار في عام 2025، مما أدى إلى خفض استهلاك المياه الجوفية المخصصة للأغراض الزراعية من 16.6 مليار متر مكعب إلى 6.5 مليار متر مكعب. وبالتوازي مع ذلك، تم التوسع في استخدام المياه المعالجة والمياه المحلاة، وتطبيق تقنيات الري الذكي، والاستشعار عن بعد، والزراعة المحمية لرفع كفاءة الإنتاج دون استنزاف الموارد المائية.
طفرة غير مسبوقة في الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي
على الرغم من خفض استهلاك المياه، أثبتت التجربة السعودية أن الأمن الغذائي يرتبط بكفاءة الإدارة وليس بوفرة المياه المطلقة. فقد انعكست هذه السياسات إيجاباً على مؤشرات الإنتاج الزراعي والحيواني بشكل مذهل؛ حيث تجاوز إنتاج الخضروات 3.6 ملايين طن بنسبة نمو فاقت 90% مقارنة بعام 2016. كما تخطى إنتاج الفاكهة حاجز المليون طن بنمو بلغ 113%، وارتفع إنتاج اللحوم الحمراء إلى 293 ألف طن بنسبة زيادة بلغت 148%، في حين سجل قطاع الدواجن إنتاجاً تجاوز 1.3 مليون طن بنسبة نمو بلغت 74%. هذه الأرقام تؤكد بوضوح نجاح المملكة في تحقيق معادلة صعبة تجمع بين استدامة الموارد وتحقيق الاكتفاء الذاتي في العديد من السلع الغذائية الأساسية.
أبعاد إقليمية ودولية لنموذج الاستدامة السعودي
لا يقتصر تأثير هذه الإصلاحات على المستوى المحلي فحسب، بل يمتد ليشكل نموذجاً يُحتذى به إقليمياً ودولياً في كيفية إدارة الموارد المائية في البيئات القاحلة. ومن خلال التعاون الوثيق مع منظمات دولية مثل منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) والمركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة (أكساد)، تسهم المملكة في نقل خبراتها المبتكرة إلى الدول المجاورة التي تعاني من تحديات مشابهة. إن نجاح السعودية في تحويل ندرة المياه إلى محرك للتنمية المستدامة يعزز من مكانتها كقائد عالمي في مجال الابتكار البيئي والمائي، ويدعم الجهود الدولية الرامية إلى مكافحة التغير المناخي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.


