ترشيد استهلاك المياه: توفير 158 ألف متر مكعب يومياً بالمملكة

في لقاء خاص مع صحيفة “اليوم” بالتزامن مع فعاليات أسبوع المياه السعودي، استعرض الرئيس التنفيذي للمركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه، المهندس فهاد الدوسري، التحولات الهيكلية الكبرى التي يشهدها قطاع المياه في المملكة العربية السعودية. وأكد الدوسري أن المركز نجح في تحقيق قفزات نوعية تهدف إلى تعزيز ترشيد استهلاك المياه وحماية الموارد المائية الشحيحة بطرق مبتكرة ومستدامة، تماشياً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
تأتي هذه الجهود في سياق تاريخي وجغرافي يتسم بشح الموارد المائية الطبيعية في شبه الجزيرة العربية، حيث تعتمد المملكة بشكل كبير على تحلية مياه البحر والمياه الجوفية غير المتجددة. ومنذ إطلاق رؤية 2030، وضعت القيادة الرشيدة ملف الأمن المائي في مقدمة أولوياتها الاستراتيجية، مما أدى إلى تأسيس المركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه في عام 2021 ليكون المظلة التنظيمية والتنفيذية لرفع كفاءة الاستخدام والحد من الهدر المائي في مختلف القطاعات الحيوية.
أرقام قياسية تعكس نجاح استراتيجية ترشيد استهلاك المياه
وأوضح المهندس فهاد الدوسري أن نتائج الاستراتيجية الوطنية للمياه بدأت تنعكس بوضوح على أرض الواقع، حيث بلغ الوفر المائي التراكمي المحقق حتى الآن نحو 158 ألف متر مكعب يومياً، وهو ما يعادل أكثر من 55 مليون متر مكعب سنوياً. وأشار إلى أن هذا الوفر شهد نمواً متسارعاً منذ بدء التطبيق الفعلي للاستراتيجية في عام 2023؛ حيث سجل الوفر اليومي 25 ألف متر مكعب في عام 2023، ليرتفع إلى 97 ألف متر مكعب في 2024، ثم إلى 142 ألف متر مكعب في 2025، وصولاً إلى الرقم الحالي في عام 2026، وسط توقعات طموحة بالوصول إلى 180 ألف متر مكعب يومياً بنهاية العام الجاري.
جائزة “مائي” ومبادرات تحفيز الابتكار المجتمعي
وفي إطار سعي المركز لإشراك المجتمع والمؤسسات في هذه الجهود الوطنية، أعلن الدوسري عن إطلاق جائزة “مائي” خلال أسبوع المياه السعودي. وتهدف هذه الجائزة إلى تكريم الأفكار والمشاريع الإبداعية التي تسهم في خفض الاستهلاك وتطوير تقنيات المياه المستدامة. وتتوزع الجائزة على ثلاثة مسارات رئيسية: مسار ممارسات كفاءة وترشيد المياه الذي يركز على توظيف التقنيات الحديثة، ومسار نشر ثقافة الترشيد الموجه للمنظمات والأفراد، ومسار “شركاء مائي” لتكريم الجهات الفاعلة التي أسهمت في دعم الاستدامة المائية.
تنظيم سوق المياه وتأهيل الكوادر الوطنية الشابة
ولم تقتصر جهود المركز على التوعية فقط، بل امتدت لتشمل الجوانب التنظيمية والمهنية. حيث كشف الدوسري عن إعداد لائحة تنظيمية متخصصة لتنظيم الأنشطة التجارية المرتبطة بالقطاع، والتي تشمل أربعة مجالات رئيسية هي: التدقيق المائي، كشف التسربات، التصميم والإصلاح، والقياس والتحقق.
وبالتوازي مع ذلك، يولي المركز أهمية قصوى لتأهيل الكوادر السعودية بالتعاون مع الأكاديمية السعودية للمياه التابعة للهيئة السعودية للمياه. وقد تم بالفعل تدريب وتأهيل عشرات الكوادر الوطنية في مجال التدقيق المائي، حيث يخوض حالياً نحو 30 متدرباً اختباراتهم النهائية للالتحاق بسوق العمل المائي الواعد. كما أعلن المركز عن إطلاق حاضنة أعمال لدعم المبتكرين والشركات الناشئة بالتعاون مع مركز الابتكار السعودي، وتوقيع 38 شراكة استراتيجية لتعزيز العمل المشترك.
الأثر المتوقع للتحول المائي محلياً وإقليمياً
تحمل هذه الإنجازات أبعاداً استراتيجية تتجاوز الحدود المحلية. فعلى الصعيد المحلي، تسهم هذه الوفورات المائية في خفض التكاليف التشغيلية لإنتاج ونقل المياه المحلاة، مما يقلل من الانبعاثات الكربونية المرتبطة بعمليات التحلية ويدعم مبادرة “السعودية الغضراء”. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن التجربة السعودية الرائدة في إدارة الموارد المائية الشحيحة وتقديم حلول تقنية متطورة لكشف التسربات وترشيد الاستهلاك تقدم نموذجاً ملهماً للدول التي تواجه تحديات التغير المناخي والجفاف، مما يعزز مكانة المملكة كقائد عالمي في مجال استدامة المياه.



