مستقبل الذكاء الاصطناعي في السعودية نحو الريادة العالمية

تمضي المملكة العربية السعودية بخطى ثابتة نحو ترسيخ مكانتها بوصفها مركزاً دولياً للبيانات والتقنيات الحديثة. وفي هذا السياق، يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي في السعودية تطوراً غير مسبوق في ظل الرؤية الوطنية الطموحة 2030، التي انطلقت برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وبدعم واهتمام مباشر من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء. لقد أولى سموه الابتكار والتقنيات المتقدمة عناية خاصة، جاعلاً منها ركيزة أساسية في مسيرة التحول الوطني لتعزيز تنافسية المملكة وترسيخ موقعها في خارطة الاقتصاد العالمي.
الجذور التاريخية والتحول الرقمي الشامل
لم يكن هذا التطور السريع وليد اللحظة، بل هو امتداد لجهود تاريخية بدأت مع إرساء دعائم الحكومة الإلكترونية في المملكة، وتوجت بإطلاق رؤية 2030 في عام 2016 التي وضعت التحول الرقمي كأحد أهم مستهدفاتها الاستراتيجية. وفي خطوة تاريخية مفصلية، صدر الأمر الملكي في عام 2019 بإنشاء الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي “سدايا”، لتكون الجهة المختصة والمرجع الوطني الأصيل في هذا المجال. عملت الهيئة منذ تأسيسها على إعداد الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، الرامية إلى قيادة التحول نحو اقتصاد معرفي تقوده البيانات، مستندة إلى ستة أهداف أساسية تشمل: الطموح، الكفاءات، السياسات والأنظمة، الاستثمار، البحث والابتكار، والمنظومة الشاملة.
الأثر المتوقع لنمو الذكاء الاصطناعي في السعودية
يحمل تطور الذكاء الاصطناعي في السعودية أبعاداً وتأثيرات عميقة على مختلف الأصعدة. على المستوى المحلي، يسهم هذا القطاع في تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، فضلاً عن بناء القدرات الوطنية من خلال برامج رائدة مثل البرنامج الوطني “سماي” الذي شارك فيه أكثر من مليون مواطن ومواطنة، إلى جانب تدريب أكثر من 11,000 مختص لسد الفجوة المعرفية. إقليمياً، تتصدر المملكة المشهد العربي في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، لتصبح نموذجاً ملهماً لدول المنطقة في تبني التقنيات الحديثة. أما دولياً، فقد أثبتت المملكة حضورها الفاعل عبر الانضمام إلى الشراكة العالمية للذكاء الاصطناعي (GPAI) كأول دولة عربية، وتأسيس مركز الأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي (ICAIRE) برعاية اليونسكو في الرياض، مما يعكس التزامها بتوظيف التقنية لخدمة البشرية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
مؤشرات عالمية واستثمارات مليارية
أثمرت هذه الجهود المتكاملة عن تقدم ملحوظ في المؤشرات العالمية، حيث حلت المملكة في المرتبة الرابعة عشرة عالمياً في المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي لعام 2025، والمركز الثالث عالمياً في مرصد سياسات الذكاء الاصطناعي التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). وعلى صعيد الاستثمار، شهد القطاع نمواً متسارعاً؛ إذ ارتفع الإنفاق الحكومي على التقنيات الناشئة بنسبة 56.25% خلال عام 2024 مقارنة بالعام الذي سبقه. وبلغ مجموع التمويل الذي حصدته الشركات السعودية في هذا المجال نحو 9.1 مليارات دولار عبر 70 صفقة استثمارية، مع وجود أكثر من 664 شركة متخصصة تعمل في السوق السعودي، مما يعزز دور القطاع الخاص في دعم الاقتصاد الوطني.
بنية تحتية تقنية تواكب المستقبل
لضمان استدامة هذا النمو والريادة، وسعت المملكة من بنيتها التحتية التقنية بشكل هائل. فقد ارتفع حجم سعة مراكز البيانات بنسبة 42.4% بين عامي 2023 و2024. كما تم إطلاق مشاريع تقنية عملاقة مثل الحاسب فائق الأداء “شاهين 3″، والعمل على تدشين أكبر مركز بيانات حكومي في العالم (هيكساجون) مطلع عام 2026 بطاقة استيعابية تبلغ 480 ميجاوات. وتضم المملكة حالياً تسع مناطق سحابية، من بينها أربع مناطق تحت الإنشاء تُطور من قبل مقدمي خدمات عالميين، بالإضافة إلى أكثر من 430 نظاماً حكومياً مدمجاً في بحيرة البيانات الوطنية، مما يؤكد الجاهزية التامة للمملكة لقيادة اقتصاد المستقبل القائم على الابتكار.



