غضب بولندي لتجاهل واشنطن حلفاء الناتو في حرب إيران

صرح مستشار رفيع للرئيس البولندي بأن الولايات المتحدة الأمريكية أظهرت “قلة احترام” واضحة لبقية الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وذلك على خلفية إعلانها حرب إيران دون إجراء أي مشاورات مسبقة مع حلفائها. وعلى الرغم من العلاقات الوثيقة التي تجمع وارسو بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلا أن هذا التفرد بالقرار أثار حفيظة الجانب البولندي الذي يرى في التحالف شراكة استراتيجية تتطلب التنسيق المشترك في القضايا المصيرية.
وأشار مارسين بجداتش، رئيس مكتب السياسة الدولية، إلى أن التوترات الحالية والوضع المتصاعد في الشرق الأوسط هما نتاج مباشر للقرارات التي اتخذتها كل من إسرائيل والولايات المتحدة. وأكد أنه كان من الأجدر أن تكون هذه الخطوات الحساسة موضع نقاش ومشاورات مسبقة مع الحلفاء ضمن الإطار المؤسسي لحلف الناتو، بدلاً من فرض الأمر الواقع. وفي مقابلة مع إذاعة “زيت” الخاصة، شدد على أنه “إذا كان حليفنا عبر الأطلسي يتوقع دعماً أوروبياً، فإن الحد الأدنى من الاحترام المتبادل يقتضي التشاور المسبق، وليس اللجوء إلينا فقط عند تفاقم المشكلات”.
تداعيات حرب إيران على التماسك الداخلي لحلف الناتو
تكتسب هذه التصريحات أهمية بالغة في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، حيث إن اندلاع حرب إيران يلقي بظلاله الثقيلة على الأمن الإقليمي والدولي. تاريخياً، بُني حلف الناتو على مبدأ الدفاع المشترك والتشاور المستمر، وأي تجاوز لهذا المبدأ يهدد بإحداث شرخ في جدار التحالف الغربي. إن التأثير المتوقع لمثل هذه القرارات الأحادية لا يقتصر على الشرق الأوسط فحسب، بل يمتد ليشمل أمن أوروبا بالكامل، مما يضع الدول الأعضاء أمام تحديات أمنية واقتصادية غير مسبوقة، خاصة في ظل أزمات الطاقة وتأمين طرق الملاحة العالمية التي تتأثر مباشرة بأي صراع في منطقة الخليج العربي.
التقارب الأمريكي البولندي بين المصالح والمبادئ
تأتي هذه الانتقادات في وقت تشهد فيه العلاقات الثنائية تقارباً ملحوظاً، حيث تتعارض تصريحات المسؤول البولندي مع الخط العام المؤيد لترامب الذي يتبناه الجناح السياسي في بولندا. تاريخياً، تعتبر بولندا من أقوى حلفاء واشنطن في أوروبا الشرقية، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانضمامها للناتو عام 1999، حيث سعت وارسو دائماً لتعزيز الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها كضمانة أمنية. وفي هذا السياق، أجرى الرئيس البولندي زيارة للولايات المتحدة الأسبوع الماضي، تفقد خلالها موقعاً لتجميع مقاتلات “إف-35” المخصصة لبلاده، وألقى كلمة أمام تجمع للمحافظين في تكساس، مؤكداً أن واشنطن ليست مجرد حليف، بل شريك يتقاسم مع بولندا المثل العليا. ومع ذلك، ذكّر بأن 66 عسكرياً بولندياً فقدوا أرواحهم في مهام مشتركة في العراق وأفغانستان، وأن دافعي الضرائب البولنديين يساهمون في تمويل الوجود العسكري الأمريكي في بلادهم.
دعوات لدعم واشنطن رغم الخلافات التكتيكية
رغم العتب الدبلوماسي، لم تغلق وارسو باب التعاون. ففي المقابلة ذاتها، وجه بجداتش دعوة صريحة لدول الحلف القادرة، وتحديداً تلك التي تمتلك أساطيل بحرية وجوية ضخمة، إلى “دعم الحليف الأمريكي في أسرع وقت ممكن”. وحذر من مغبة التخلي عن واشنطن قائلاً: “إذا لم نبادر نحن الأوروبيين، بصفتنا أقرب حلفاء الولايات المتحدة، بتقديم المساعدة للأمريكيين في هذا الظرف الدقيق، فسيكون من الصعب جداً أن نتوقع دعمهم لنا لاحقاً عندما نواجه أزماتنا الخاصة”.
وتتزامن هذه التطورات مع انتقادات حادة وجهها دونالد ترامب لعدد من الدول الأعضاء في الناتو، من بينها فرنسا وإسبانيا وإيطاليا. وجاء هذا الهجوم على خلفية رفض هذه الدول السماح بعبور الطائرات العسكرية الأمريكية أو استخدام قواعدها الجوية لنقل معدات لوجستية وعسكرية إلى إسرائيل، وذلك في إطار العمليات العسكرية المرتبطة بالصراع الأخير الذي اندلع في 28 فبراير. يعكس هذا التباين في المواقف حجم التحديات التي تواجه التحالف الغربي في توحيد صفوفه تجاه أزمات الشرق الأوسط المعقدة.



