اقتراب مذنب PANSTARRS من الشمس: فرصة نادرة للرصد

كشفت الجمعية الفلكية بجدة، على لسان رئيسها المهندس ماجد أبو زاهرة، عن حدث فلكي استثنائي سيزين سماء النصف الشمالي للكرة الأرضية في منتصف شهر أبريل من عام 2026. يتمثل هذا الحدث في اقتراب مذنب PANSTARRS (C/2025 R3) من الشمس إلى مسافة آمنة تُقدر بنحو 0.5 وحدة فلكية، أي ما يعادل قرابة 75 مليون كيلومتر. وأوضحت الجمعية أن هذه الظاهرة ستبلغ ذروتها خلال الفترة ما بين 19 و20 أبريل، حيث سيمر المذنب بسلام دون أن يتعرض للتفكك أو الانهيار، على عكس ما حدث مؤخراً مع المذنب MAPS (C/2026 A1) الذي تحطم عند اقترابه من الغلاف الشمسي.
الأهمية العلمية والتاريخية لاكتشاف مذنب PANSTARRS
يعود اسم مذنب PANSTARRS إلى نظام تلسكوبات المسح البانورامي ونظام الاستجابة السريعة (Pan-STARRS) الموجود في مرصد هالياكالا بولاية هاواي الأمريكية. تاريخياً، لعبت هذه التلسكوبات دوراً محورياً في اكتشاف العديد من الأجرام السماوية والمذنبات والكويكبات التي تقترب من الأرض والشمس. إن رصد مثل هذه المذنبات لا يقتصر على كونه مشهداً جمالياً فحسب، بل يحمل أهمية بالغة على الصعيدين الإقليمي والدولي. فعلى المستوى الدولي، يوفر مرور المذنب فرصة ذهبية لعلماء الفلك لدراسة بقايا النظام الشمسي المبكر، حيث تعتبر المذنبات بمثابة كبسولات زمنية مجمدة تحتفظ بالمواد الأساسية التي شكلت الكواكب قبل مليارات السنين.
أما على الصعيدين المحلي والإقليمي، فإن هذا الحدث يعزز من نشاط السياحة الفلكية ويثير اهتمام الشباب والباحثين في العالم العربي بعلوم الفضاء. كما يتيح للمراصد المحلية، مثل مرصد الجمعية الفلكية بجدة، فرصة لتبادل البيانات والمشاركة في الأبحاث العالمية المتعلقة بتأثير الرياح الشمسية على الأجرام السماوية.
رحلة الأجرام السماوية الجليدية وتشكيل الذيول المضيئة
تُعد المذنبات من الأجرام السماوية الصغيرة التي تتكون أساساً من الجليد والغبار والصخور. وعند اقترابها من الشمس، تتعرض لدرجات حرارة مرتفعة تؤدي إلى ظاهرة التسامي، حيث يتحول الجليد مباشرة إلى غازات. هذه الغازات تتحد مع الغبار لتشكل ذيلاً مضيئاً يمتد لمسافات هائلة في الفضاء المظلم. وأشار المهندس أبو زاهرة إلى أن هذا الذيل يتجه دائماً بعيداً عن الشمس بفعل ضغط الإشعاع والرياح الشمسية، مما يوفر فرصة علمية فريدة لدراسة تفاعل هذه الأجرام مع البيئة الشمسية القاسية.
متى وكيف يمكن رصد مذنب PANSTARRS بالعين المجردة؟
من المتوقع أن يصل سطوع مذنب PANSTARRS (C/2025 R3) إلى القدر الظاهري (+3)، وهو ما يجعله مرئياً بوضوح بالعين المجردة، شريطة توافر ظروف رصد مثالية. سيكون المذنب في أفضل حالاته للرصد عند الأفق الشرقي المنخفض قبل شروق الشمس بنحو ساعتين. وفي الوقت الحالي، يقارب سطوع المذنب نجوم القدر الخامس، مما يتيح لهواة الفلك رصده بسهولة باستخدام التلسكوبات والكاميرات الفلكية المتطورة.
يتميز هذا المذنب بذيل طويل وواضح قد يمتد لمسافة كبيرة في السماء أثناء مروره عبر كوكبة بيغاسوس (الفرس الأعظم). هذا المسار يجعله هدفاً مثالياً لهواة التصوير الفلكي، خاصة عند استخدام تقنيات التعريض القصير خلال فترة الشفق الصباحي، حيث يظهر الذيل بشكل أكثر وضوحاً وتبايناً مع خلفية السماء. وأكدت الجمعية أن فرصة رصد المذنب ستكون متاحة من سماء المملكة العربية السعودية ومختلف الدول العربية خلال الفترة من 15 وحتى 21 أبريل تقريباً.
إرشادات وتوصيات لضمان أفضل تجربة فلكية
لضمان تجربة رصد ناجحة، يوصي الخبراء باختيار مواقع مفتوحة وبعيدة تماماً عن التلوث الضوئي للمدن، والتركيز على الأفق الشرقي للحصول على أفضل النتائج. ورغم أن الرصد بالعين المجردة ممكن في الظروف المثالية، إلا أن استخدام المناظير المزدوجة والتلسكوبات الصغيرة سيكشف عن تفاصيل أدق لبنية الذيل ومكوناته من الغاز والغبار.
علاوة على ذلك، يمكن للمهتمين الاستعانة بالتطبيقات الفلكية الحديثة مثل Stellarium Mobile لتحديد موقع المذنب بدقة وفقاً للموقع الجغرافي للراصد. تتيح هذه التطبيقات عرض خريطة السماء بشكل تفاعلي في الزمن الحقيقي، مما يسهل تتبع مسار المذنب ومعرفة أوقات ظهوره وارتفاعه عن الأفق. في الختام، يمثل هذا الحدث فرصة نادرة لمتابعة أحد الأجرام السماوية الكبيرة أثناء مروره الآمن نسبياً بالقرب من الأرض، في مشهد يجمع بين المتعة البصرية والقيمة العلمية العالية لعشاق الفلك.



