تداعيات انقطاع الإنترنت في إيران لعزل ملايين المواطنين

دخل انقطاع الإنترنت في إيران يومه الثلاثين على التوالي، في خطوة أسفرت عن عزل ملايين الأشخاص عن شبكة المعلومات والاتصالات العالمية. وتأتي هذه الأزمة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والنزاعات المستمرة، مما يضع المواطنين في حالة من العزلة التامة عن العالم الخارجي. وأكدت مجموعة “نت بلوكس” (NetBlocks) المتخصصة في مراقبة أمن وحرية الإنترنت، في بيان لها عبر منصة “إكس”، أن انقطاع الإنترنت في إيران قد تجاوز حاجز الـ 696 ساعة، ليدخل أسبوعه الخامس من الرقابة الصارمة على مستوى البلاد.
السياق التاريخي لسياسة انقطاع الإنترنت في إيران
لا يُعد هذا الحجب سابقة في تاريخ البلاد الحديث؛ بل هو امتداد لسياسة منهجية تتبعها السلطات للسيطرة على تدفق المعلومات. تاريخياً، لجأت طهران إلى قطع شبكة الإنترنت العالمية خلال فترات الاضطرابات السياسية والاحتجاجات الشعبية، كما حدث في الأعوام الماضية. وقد استثمرت الحكومة الإيرانية لسنوات طويلة في تطوير ما يُعرف بـ “شبكة المعلومات الوطنية”، وهي شبكة إنترنت داخلية (إنترانت) تتيح للمواطنين استخدام تطبيقات المراسلة المحلية، والمنصات المصرفية، والخدمات الحكومية، بينما يتم تقييد الوصول إلى الشبكة العالمية بشدة. هذا التوجه يعكس رغبة السلطات في تقليل الاعتماد على البنية التحتية الأجنبية والتحكم في السردية الإعلامية أثناء الأزمات.
بدائل مكلفة ومعاناة يومية للمواطنين
في ظل هذا الإغلاق الرقمي، لا يجد العديد من الإيرانيين خياراً سوى الاعتماد على المنصات التي تسيطر عليها الدولة، أو البحث عن بدائل مكلفة وصعبة للتواصل مع أحبائهم. وتصف “أرشيا”، وهي مديرة تسويق تبلغ من العمر 37 عاماً وتقيم في إيران، الوضع قائلة: “العيش بدون إنترنت أمر في غاية الصعوبة. فعندما تنقطع حتى قنوات التلفزيون الأجنبية بسبب تداخل الإشارات، لا نملك أي وسيلة لمتابعة الأخبار سوى التلفزيون الرسمي”. وتضيف أن التواصل مع العائلة والأصدقاء يتم بصعوبة بالغة عبر المكالمات الهاتفية التقليدية، مما يولد ضغطاً نفسياً هائلاً. وتُعبر أرشيا عن مخاوف شريحة واسعة من المجتمع بقولها: “أكبر مخاوفنا الآن هو احتمال عدم قيامهم بوصل الإنترنت نهائياً، وأن نصبح معزولين تماماً مثل كوريا الشمالية”.
صراع للوصول إلى العالم عبر شبكات افتراضية
رغم القيود الصارمة، يحاول الإيرانيون إيجاد ثغرات في جدار الحماية الرقمي. فقد تمكن بعض الصحفيين من التواصل مع مقيمين في الداخل عبر تطبيقات مثل “واتساب” و”تليغرام” خلال فترات قصيرة جداً ومتقطعة من الاتصال، وذلك باستخدام شبكات افتراضية خاصة (VPN). وتوضح “مريم”، وهي موظفة في القطاع الخاص تبلغ من العمر 33 عاماً، أن الأسابيع الأولى من انقطاع الخدمة كانت قاسية للغاية، حيث انقطعت سبل التواصل مع عائلتها في المدن الأخرى. وتضيف: “نستخدم الآن تطبيقاً إيرانياً للمراسلة لإجراء مكالمات فيديو. الأمر ليس مثالياً، لكننا نتكيف في هذه الظروف العصيبة”.
التأثيرات المحلية والإقليمية للأزمة الراهنة
يتجاوز تأثير هذه الأزمة مجرد العزلة الاجتماعية؛ ليمتد إلى إحداث شلل في قطاعات اقتصادية واسعة تعتمد على التجارة الإلكترونية. محلياً، تتكبد الشركات الصغيرة والمتوسطة خسائر فادحة يومياً بسبب عدم قدرتها على الوصول إلى الأسواق العالمية أو التواصل مع الموردين. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن غياب المعلومات المستقلة يخلق حالة من الضبابية حول حقيقة الأوضاع داخل البلاد، حيث تنحصر مصادر الأخبار في وسائل الإعلام الرسمية، مما يوفر صورة مجتزأة للأحداث. إن استمرار هذه العزلة الرقمية يثير قلق المجتمع الدولي، الذي يعتبر الوصول إلى الإنترنت وسيلة ضرورية لضمان الشفافية والاستقرار في منطقة تشهد توترات جيوسياسية مستمرة.



