اختتام فعاليات بينالي الدرعية في حي جاكس الإبداعي

شهد حي جاكس الإبداعي اختتام فعاليات بينالي الدرعية للفن المعاصر، والذي نظمته مؤسسة بينالي الدرعية تحت شعار “في الحِلّ والترحال”. أقيم هذا الحدث الثقافي البارز بالقرب من حي الطريف التاريخي، المدرج ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، بمشاركة 68 فناناً يمثلون أكثر من 37 دولة. وقد أشرف على الإدارة الفنية لهذه الدورة كل من نورا رازيان وصبيح أحمد، حيث استلهمت الأعمال الفنية موضوعاتها من حركات التنقل، الهجرات، والتحولات التاريخية التي شكلت جسوراً للتواصل بين شبه الجزيرة العربية والعالم عبر مختلف العصور، متقاطعة مع الذاكرة الجماعية، القصص، والإيقاعات التراثية.
الجذور التاريخية والعمق الثقافي لمدينة الدرعية
لا يمكن الحديث عن هذا الحدث الفني دون التطرق إلى السياق التاريخي العميق للمكان. تُعد الدرعية مهد الدولة السعودية الأولى وعاصمة الثقافة والتاريخ في المملكة. وفي السنوات الأخيرة، شهدت المنطقة تحولات جذرية، حيث تحول “حي جاكس” من منطقة صناعية تقليدية إلى منصة عالمية تحتضن الفنون المعاصرة والإبداع. يأتي هذا التحول ضمن جهود المملكة لإحياء التراث الثقافي ودمجه مع الفن الحديث، مما يجعل الدرعية نقطة التقاء فريدة بين أصالة الماضي وابتكار الحاضر، ويعزز من مكانتها كوجهة ثقافية سياحية رائدة على مستوى العالم.
أعمال فنية مبتكرة تعكس روح التحول
تميزت الدورة الحالية بعرض أكثر من 25 عملاً فنياً جديداً تم إنتاجها بتكليف خاص من المؤسسة. توزعت هذه الإبداعات في صالات العرض الداخلية والمساحات الخارجية على مساحة شاسعة تقارب 12,900 متر مربع، بتصميم سينوغرافي استثنائي ابتكره استوديو التصميم الإيطالي “فورما فانتاسما”. وقد زخر الأسبوع الختامي ببرنامج حافل من الفعاليات الثقافية والفنية، تضمن أمسيات موسيقية بمشاركة فنانين بارزين مثل حسين ناصر الدين ونانسي منير، إلى جانب جلسات حوارية ملهمة مع الفنانين المشاركين، وفعاليات الاستوديوهات المفتوحة، وعروض حية في المساحات الخارجية شملت محطات للطهي وموسيقى تفاعلية.
التأثير المحلي والدولي لحدث بينالي الدرعية
يحمل بينالي الدرعية أهمية استراتيجية تتجاوز حدود العرض الفني، ليترك أثراً عميقاً على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يسهم البينالي في تمكين المواهب السعودية الشابة وتوفير منصة عالمية لعرض أعمالهم، مما يثري المشهد الثقافي تماشياً مع مستهدفات رؤية السعودية 2030. وإقليمياً، يعزز الحدث من مكانة الرياض كعاصمة للفن المعاصر في الشرق الأوسط. أما على الصعيد الدولي، فيلعب البينالي دوراً محورياً في بناء جسور الحوار الثقافي بين المملكة والعالم، مقدماً صورة مشرقة عن التطور الفني والانفتاح الثقافي الذي تعيشه السعودية.
عروض أدائية وموسيقية تحاكي التراث
من أبرز المحطات التي خطفت الأنظار خلال الفعاليات، العرض الأدائي “طيّ الخيام” للفنان السعودي محمد الحمدان، والذي تضمن عبور قافلة من سيارات “الشاص” التراثية برفقة موسيقيين عبر وادي حنيفة التاريخي، مجسداً ارتباطاً وثيقاً بتاريخ الحياة في الرياض. كما تألقت أعمال أخرى مثل العمل التركيبي “بركان فوق هذه الريشة الخضراء” للفنان بيتريت هاليلج، والذي استعرض رسومات طفولته كلاجئ، والعمل الفني “موطن الأبدية” للفنان تيو ميرسييه الذي تضمن تركيبات رملية ضخمة تعكس تأثير الطبيعة والثقافة على البيئة.
مرحلة جديدة لحي جاكس وتفاعل جماهيري واسع
أكدت آية البكري، الرئيس التنفيذي لمؤسسة بينالي الدرعية، أن نجاح هذه الدورة استمد حيويته من التفاعل الجماهيري الكبير، مشيرة إلى أن الحدث يمثل محطة هامة في مسيرة المؤسسة. وفي خطوة تعكس الرؤية المستقبلية، يجري العمل حالياً على مخطط عمراني جديد بإشراف مكتب التصميم المعماري الدولي (OMA)، يهدف إلى رفع عدد الجهات المستأجرة في حي جاكس إلى 215 جهة على مساحة 78,000 متر مربع. كما شهدت الدورة افتتاح مبنى دائم مخصص للبرامج الثقافية من تصميم استوديو “Golem” الباريسي، لضمان استدامة الأثر الثقافي وخدمة المجتمع المحلي والزوار حتى بعد انتهاء الفعاليات، مما يرسخ مكانة حي جاكس كبيئة إبداعية متكاملة.



