التراث والثقافة

رواق الحرفيين بجدة التاريخية: إحياء التراث المعماري في رمضان

يواصل رواق الحرفيين بجدة التاريخية في ساحة البحر الأحمر جذب الزوار والمهتمين بالتراث، محيياً التراث المعماري الأصيل للمنطقة حتى 28 رمضان. وتأتي هذه الفعالية عبر سلسلة من الورش الهندسية الحية التي تدمج ببراعة بين عبق الماضي وتقنيات العمارة المعاصرة، بهدف نقل المهارات اليدوية العريقة للأجيال الناشئة وتأصيل الهوية الوطنية في نفوسهم.

عبق التاريخ في قلب "البلد"

لا يمكن النظر إلى هذه الفعالية بمعزل عن السياق التاريخي العريق لمنطقة "البلد"، التي سُجلت ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. فجدة التاريخية ليست مجرد مبانٍ قديمة، بل هي متحف مفتوح يروي حكاية ميناء الحجاج والتجار على مر القرون. وتتميز المنطقة بطرازها المعماري الفريد الذي يعتمد على الحجر المنقبي والأخشاب المستوردة التي شُكلت لتصنع "الرواشين" الشهيرة، والتي تعد نظاماً بيئياً وهندسياً متكاملاً لتلطيف الهواء وتوفير الخصوصية، وهو ما يسعى الرواق لتسليط الضوء عليه وإعادة إنتاجه برؤية عصرية.

رواق الحرفيين بجدة التاريخية ومنظومة الإبداع الهندسي

أوضحت شركة «بنش مارك»، الجهة المنظمة، أن الفعالية تتجاوز مفهوم العرض التقليدي الجامد، لتصمم موقعاً يحاكي أزقة جدة القديمة بتفاصيلها الدقيقة. ويجسد هذا الاختيار مسؤولية ثقافية تهدف لتحويل الذاكرة المعتقة للمجتمع الحرفي إلى منتج فني عصري يفيض بالجمال. وشملت الجهود تقديم حالة فريدة من التناغم الحرفي داخل الساحة، حيث يطوع النجارون الأخشاب لصياغة الرواشين الحجازية بدقة هندسية، بالتزامن مع انسياب الخط العربي ليعانق قطع النحاس والجبس، بما يسهم في إبراز الهوية البصرية لعروس البحر الأحمر.

أبعاد ثقافية وسياحية تتجاوز الحدود

يكتسب الحدث أهمية بالغة تتعدى النطاق المحلي، حيث يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تعزيز السياحة الثقافية والحفاظ على التراث غير المادي. فإحياء هذه الحرف يسهم في تعزيز مكانة المملكة كوجهة سياحية عالمية تحتفي بتاريخها، كما يدعم الاقتصاد الإبداعي من خلال تمكين الحرفيين وتحويل مهاراتهم إلى صناعات مستدامة. إن الاهتمام الدولي المتزايد بجدة التاريخية يجعل من مثل هذه الفعاليات منصة لتصدير الثقافة السعودية للعالم، وإبراز عمق الحضارة العربية الإسلامية في فنون العمارة والنقش.

تطوير الحرف واستدامة الأثر

في إطار تنظيم الفعالية، منح القائمون على الرواق صبغة احترافية تركز على التحليل الهندسي للحرف اليدوية، حيث يتم تطوير صناعة الزخارف التقليدية لتتلاءم مع العمارة الحديثة والبيوت المعاصرة. وبينت الإدارة أن هذا التوجه ينقل الحرفة من رفوف المتاحف لتصبح جزءاً نابضاً في تفاصيل الحياة اليومية للزوار، مما يضمن بقاء هذه الفنون حية ومتجددة.

جسر للتواصل بين الأجيال

أشارت إدارة الفعالية إلى تحويل الرواق لأكاديمية مفتوحة تضمن استدامة الأثر، عبر تنظيم ورش عمل مكثفة تضم أطفالاً يتعلمون أبجديات الحرف، إلى جانب محترفين يغوصون في أدق تفاصيل التخصص. وتهدف هذه المبادرة إلى ضمان انتقال شفرة الإبداع السعودي من جيل الكبار إلى الشباب، لتبقى الهوية الوطنية حية ومستمرة.

وفي هذا السياق، أطلقت الفعالية مساراً تفاعلياً يتيح للزائرين معايشة رحلة متكاملة تبدأ بمشاهدة الحرفة وهي تُولد أمامهم بأيدي صناعها. وتُختتم هذه التجربة الثقافية بلحظات استرخاء في مطاعم محلية تعيد تقديم نكهات جدة الأصيلة، ضمن منظومة متكاملة لتعزيز السياحة الثقافية، حيث يجد الزائر نفسه أمام مشروع استعادة للذات الثقافية، يتحول فيه التاريخ إلى فن، والمهارة إلى هوية تسكن القلوب قبل أن تسكن البيوت.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى