المركزي الأوروبي يرفض استخدام الأصول الروسية لتمويل أوكرانيا

وجه البنك المركزي الأوروبي ضربة قوية لجهود المفوضية الأوروبية الرامية إلى استخدام الأصول الروسية المجمدة كضمانة لتمويل أوكرانيا، معلنًا رفضه القاطع للعب دور "المقرض الملاذ الأخير" في هذه الخطة. ويأتي هذا الرفض ليعقد المشهد المالي والسياسي داخل الاتحاد الأوروبي قبل قمة القادة المرتقبة، مما يثير تساؤلات جدية حول قدرة التكتل على الوفاء بالتزاماته المالية تجاه كييف.
الموقف القانوني: حظر التمويل النقدي
أكد البنك المركزي الأوروبي، الذي يدير السياسة النقدية لمنطقة اليورو التي تضم 20 دولة، أن مقترح المفوضية الأوروبية يتعارض بشكل مباشر مع المعاهدات التأسيسية للاتحاد. وأوضح متحدث باسم البنك أن الخطة المقترحة، التي تطلب من المركزي الأوروبي توفير سيولة طارئة لغرفة المقاصة "يوروكلير" في حال حدوث أزمة، ترقى إلى مستوى "التمويل النقدي" المحظور.
ويستند هذا الرفض إلى مبدأ اقتصادي وقانوني راسخ في الاتحاد الأوروبي يمنع البنك المركزي من تمويل الحكومات أو تغطية التزاماتها المالية بشكل مباشر، وذلك للحفاظ على استقلالية السياسة النقدية وتجنب التضخم المنفلت. وبحسب ما نقلته صحيفة "فايننشال تايمز"، فإن البنك يرى أن توفير شبكة أمان مالي لهذه العملية يتجاوز صلاحياته وينتهك القوانين الأوروبية.
مخاوف بلجيكا وعقدة "يوروكلير"
تتمحور الأزمة حول بلجيكا، التي تستضيف مقر منظمة الإيداع الدولية "يوروكلير"، حيث يقبع الجزء الأكبر من الأصول الروسية المجمدة. وتعيش بروكسل حالة من القلق المتزايد إزاء احتمالية تعرضها لإجراءات قانونية انتقامية أو هجمات سيبرانية من قبل موسكو في حال المساس بهذه الأصول.
وفي هذا السياق، صرح رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر بأنه لن يوافق على الخطة ما لم يتم تقديم ضمانات ملزمة ومكتوبة من باقي الدول الأعضاء لتقاسم المخاطر المالية والقانونية. وتخشى بلجيكا أن تجد نفسها وحيدة في مواجهة أزمة سيولة طاحنة إذا ما نجحت روسيا في تجميد أصول "يوروكلير" أو مقاضاتها دولياً، مما يستدعي وجود ظهير مالي قوي، وهو الدور الذي رفض المركزي الأوروبي لعبه.
السياق التاريخي والأبعاد الجيوسياسية
تعود جذور هذه المعضلة إلى العقوبات الغربية غير المسبوقة التي فُرضت على روسيا عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، والتي أدت إلى تجميد مئات المليارات من اليوروهات من احتياطيات البنك المركزي الروسي. ومنذ ذلك الحين، يسعى الاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع لإيجاد صيغة قانونية تتيح استخدام هذه الأموال أو عوائدها لدعم المجهود الحربي وإعادة الإعمار في أوكرانيا.
وتكتسب هذه التحركات أهمية قصوى في الوقت الراهن لسببين رئيسيين: الأول هو الحاجة الملحة لسد العجز في الموازنة الأوكرانية عبر قرض مقترح بقيمة 140 مليار يورو (162 مليار دولار). والسبب الثاني يتعلق بالضغوط الأمريكية المتزايدة والخطط المطروحة لوقف الحرب، حيث يرى مؤيدو الخطة ضرورة استباق أي اتفاق سلام محتمل قد يعيد السيطرة على هذه الأصول إلى موسكو، مما يعني فقدان ورقة ضغط مالية هائلة.
تداعيات الرفض والبحث عن بدائل
يضع موقف البنك المركزي الأوروبي القادة الأوروبيين في مأزق حقيقي قبل قمتهم المقررة في 18 ديسمبر الجاري. ومع استبعاد خيار دعم المركزي، أكدت المفوضية الأوروبية أنها تبحث حالياً عن "حلول بديلة" لضمان السيولة اللازمة دون خرق المعاهدات.
ويرى مراقبون أن فشل إقرار هذه الخطة قد يرسل إشارات سلبية حول وحدة الصف الأوروبي وقدرته على اتخاذ قرارات حاسمة في الملفات المالية المعقدة، كما قد يؤدي إلى تأخير المساعدات الحيوية لكييف في وقت حرج من الصراع.



