فنلندا ترفع سن الاحتياط العسكري لمواجهة تهديدات روسيا

في خطوة تعكس تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة شمال أوروبا، أعلنت فنلندا يوم الاثنين عن قرار استراتيجي جديد يهدف إلى تعزيز قدراتها الدفاعية بشكل كبير. وكشفت هلسنكي أنها سترفع، اعتباراً من العام 2026، الحد الأقصى لسن عناصر الاحتياط في جيشها من 60 إلى 65 عاماً، وذلك في إطار خطة شاملة لتعزيز الجهوزية العسكرية في مواجهة التهديدات المحتملة التي تمثلها الجارة روسيا.
تفاصيل القرار العسكري الجديد
صرح وزير الدفاع الفنلندي، أنتي هاكانن، بأن هذا التعديل القانوني، الذي سيصبح نافذاً في الأول من يناير بعد توقيع الرئيس عليه، سيؤدي إلى نتائج ملموسة وسريعة. وأوضح الوزير أن القرار سيوفر حوالي 125 ألف مجند إضافي لقوات الاحتياط خلال السنوات الخمس المقبلة. وأشار هاكانن في بيان رسمي إلى أن “عدد عناصر الاحتياط الفنلنديين سيرتفع إلى نحو مليون جندي بحلول سنة 2031″، وهو رقم ضخم بالنسبة لدولة يبلغ عدد سكانها حوالي 5.5 مليون نسمة. وتضم وحدات الاحتياط الفنلندية في الوقت الراهن نحو 900 ألف مواطن، مما يجعلها واحدة من أكبر قوات الاحتياط في أوروبا نسبة لعدد السكان.
تحول تاريخي من الحياد إلى الناتو
لا يمكن قراءة هذا القرار بمعزل عن السياق التاريخي والتحولات الجذرية التي شهدتها السياسة الفنلندية مؤخراً. فقد تخلت فنلندا عن عقود من سياسة “عدم الانحياز العسكري” والحياد الذي ميز علاقتها بالشرق والغرب خلال الحرب الباردة. جاء هذا التحول التاريخي بانضمامها رسمياً إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أبريل 2023، في رد فعل مباشر وسريع على الغزو الروسي لأوكرانيا الذي بدأ في فبراير 2022. هذا الانضمام لم يغير الخريطة الأمنية لفنلندا فحسب، بل ضاعف من طول الحدود المشتركة بين حلف الناتو وروسيا، مما زاد من الأهمية الاستراتيجية للجيش الفنلندي ضمن منظومة الدفاع الغربية.
الأهمية الاستراتيجية وتحديات الحدود
تمتلك فنلندا حدوداً برية طويلة مع روسيا تمتد لمسافة 1340 كيلومتراً، مما يضعها في خط المواجهة الأول لأي نزاع محتمل في منطقة البلطيق والشمال. وأكد الوزير هاكانن أن “هذه الخطوة، إلى جانب الإجراءات الأخرى التي نتخذها لتعزيز قدراتنا الدفاعية، تظهر أن فنلندا تتولى أمنها بنفسها، اليوم وفي المستقبل”. وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه الحدود توترات متزايدة، حيث أغلقت هلسنكي حدودها الشرقية بالكامل في ديسمبر 2023، متهمة الكرملين بشن “حرب هجينة” من خلال دفع طالبي اللجوء والمهاجرين نحو الحدود لزعزعة استقرار البلاد، وهو ما تنفيه موسكو.
ويعكس رفع سن الاحتياط التزام فنلندا بمفهوم “الدفاع الشامل”، الذي يعتمد على تجنيد قطاعات واسعة من المجتمع للدفاع عن الدولة، وهو نموذج تراقبه العديد من الدول الأوروبية الأخرى التي بدأت تعيد النظر في سياسات التجنيد الخاصة بها في ظل المتغيرات الأمنية العالمية الراهنة.



