الكونغو الديمقراطية: استغاثة دولية بعد كارثة منجم روبايا

وجهت الحكومة في كينشاسا نداءً عاجلاً إلى المجتمع الدولي، مطالبة إياه بالتدخل الفوري وإدراك حجم المأساة الإنسانية والاقتصادية التي تعصف بشرق البلاد، واصفة ما يحدث بأنه نتيجة مباشرة “لاحتلال مسلح ونظام نهب منظم” تقوده حركة “إم 23” المتمردة بدعم مزعوم من الجارة رواندا. وجاء هذا التحرك الدبلوماسي في أعقاب الكارثة المروعة التي شهدها موقع روبايا المنجمي.
كارثة إنسانية في قلب مناجم الكولتان
أعلنت جمهورية الكونغو الديمقراطية عن مخاوف جدية من سقوط ما لا يقل عن مئتي قتيل جراء انهيار أرضي ضخم وقع يوم الأربعاء الماضي في موقع روبايا، وهو أحد أهم مناجم استخراج الكولتان في العالم، والذي يقع حالياً تحت سيطرة حركة “إم 23” المسلحة. وأفادت التقارير الأولية بانهيار جزء من منحدر جبلي في منطقة التعدين المترامية الأطراف، تلاه انزلاق آخر للتربة صباح الخميس، مما فاقم من حجم الكارثة وصعوبة عمليات الإنقاذ.
الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لموقع روبايا
لا يمكن فهم حجم هذه الكارثة دون النظر إلى الأهمية الاستراتيجية للموقع؛ حيث ينتج منجم روبايا وحده ما يتراوح بين 15% و30% من إجمالي إنتاج الكولتان العالمي. ويُعد هذا المعدن، الذي يُستخرج منه التنتالوم، عصب الصناعات التكنولوجية الحديثة، حيث يدخل بشكل أساسي في تصنيع الهواتف الذكية، الحواسيب المحمولة، والسيارات الكهربائية. وتشير التقديرات الجيولوجية إلى أن شرق الكونغو الديمقراطية يحتوي على مخزون هائل يتراوح بين 60% و80% من الاحتياطي العالمي لهذا المعدن الحيوي، مما يجعله بؤرة صراع دائم ومطمعاً للجماعات المسلحة.
سياق الصراع التاريخي في شرق الكونغو
يأتي هذا الحادث في سياق تاريخي معقد، حيث يعاني شرق الكونغو الديمقراطية من صراعات دموية مستمرة منذ نحو 30 عاماً، تغذيها التوترات العرقية والمطامع في الثروات المعدنية. وقد عادت حركة “إم 23” (حركة 23 مارس) إلى الواجهة بقوة، حيث سيطرت على مساحات واسعة في مقاطعة شمال كيفو، بما في ذلك مدينة غوما الاستراتيجية ومناجم روبايا منذ أبريل 2024. وتتهم كينشاسا وخبراء من الأمم المتحدة رواندا بدعم هذه الحركة عسكرياً ولوجستياً لتسهيل تهريب المعادن، وهو ما تنفيه كيغالي باستمرار.
إدارة موازية واقتصاد الحرب
كشفت تقارير خبراء الأمم المتحدة أن حركة “إم 23” لم تكتفِ بالسيطرة العسكرية، بل أنشأت “إدارة موازية” تحاكي هياكل الدولة في المناطق الخاضعة لسيطرتها. وشمل ذلك تأسيس ما يشبه “وزارة للمعادن” تتولى إصدار تصاريح للحفارين وجباية الضرائب على أنشطة التعدين، مما يدر على الحركة مئات الآلاف من الدولارات شهرياً. وتُستخدم هذه العائدات المالية الضخمة في تمويل العمليات العسكرية وشراء السلاح، مما يطيل أمد النزاع ويعقد فرص السلام.
صعوبات التوثيق والوضع الميداني
في ظل تعطل شبكات الاتصال وعزلة المنطقة النائية التي فرت منها الإدارة الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، تظل المعلومات الدقيقة حول أعداد الضحايا رهينة لما تعلنه سلطات الأمر الواقع التابعة للمتمردين. وقد صرح حاكم مقاطعة شمال كيفو المعين من قبل الحركة، إيراستون باهاتي موسانغا، بوجود مئتي قتيل على الأقل، بينما أكد مسؤولون آخرون في الحركة استمرار عمليات انتشال الجثث من تحت الأنقاض، وسط غياب تام لفرق الإنقاذ الحكومية أو الدولية المستقلة.



