أسلوب حياة

حقيقة تعدد المهام: هل يعالج الدماغ عملين معاً؟

لطالما اعتبر مفهوم تعدد المهام مهارة استثنائية وقدرة طبيعية يتميز بها الدماغ البشري لمواكبة متطلبات العصر المتسارعة. إلا أن هذا الاعتقاد الراسخ يواجه اليوم تشكيكاً علمياً غير مسبوق، وذلك بعدما كشفت دراسة علمية حديثة أن الدماغ البشري لا يقوم بمعالجة مهمتين مختلفتين في الوقت نفسه كما يُشاع، بل يعتمد على استراتيجية التنقل السريع والمتتابع بين تلك المهام بلمح البصر.

وهم الإنتاجية: كيف بدأ هوس إنجاز الأعمال المتزامنة؟

لفهم الجذور التاريخية لهذا المفهوم، يجب أن نعود إلى بدايات الثورة الصناعية وصولاً إلى الثورة الرقمية الحديثة. في العقود الماضية، ومع ظهور الحواسيب الشخصية والهواتف الذكية، تزايدت التوقعات الاجتماعية والمهنية بأن الإنسان يجب أن يعمل كآلة قادرة على معالجة بيانات متعددة في آن واحد. ساد الاعتقاد عالمياً بأن القدرة على إنجاز أكثر من عمل في نفس اللحظة هي المعيار الحقيقي للكفاءة والنجاح. وقد تبنت العديد من المؤسسات حول العالم هذا النهج، مما شكل ضغطاً كبيراً على الأفراد لمحاولة ترويض أدمغتهم للقيام بأشياء متوازية، متجاهلين الطبيعة البيولوجية العصبية المعقدة للعقل البشري التي تميل بطبيعتها إلى التركيز الأحادي.

تفاصيل الدراسة الألمانية حول قدرات العقل

نُشرت هذه النتائج المفصلية في الدورية العلمية المرموقة “كوارترلي جورنال أوف إكسبريمينتال سايكولوجي”. وقد أشرف على هذا البحث الدقيق فريق علمي مشترك من جامعة مارتن لوثر في هاله-فيتنبرج الألمانية، وجامعة التعليم عن بعد في هاجن، بالإضافة إلى كلية ميديكال سكول هامبورج. وخلال التجارب، طُلب من المشاركين أداء مهمتين حسيتين في نفس اللحظة؛ الأولى تتطلب استخدام اليد اليمنى للإشارة إلى حجم دائرة تظهر على الشاشة لفترة وجيزة، والثانية تتطلب تحديد طبقة الصوت الذي يسمعونه، وما إذا كان حاداً، متوسطاً، أو منخفضاً.

سرعة التنقل وليس المعالجة المزدوجة

قام الباحثون بقياس سرعة استجابة المشاركين ورصد عدد الأخطاء المرتكبة على مدار عدة أيام من الاختبارات المتكررة. ولاحظ الفريق أنه مع زيادة التدريب، أصبح المشاركون أسرع وارتكبوا أخطاء أقل. لفترة طويلة، كان يُنظر إلى هذا التحسن على أنه دليل قاطع على أن الدماغ يستطيع معالجة المهام بشكل متوازٍ. لكن عالم النفس “تورستن شوبرت” من جامعة هاله أوضح أن هذه الظاهرة، التي عُرفت سابقاً باسم “التقاسم المثالي للوقت”، ليست دليلاً على المعالجة المتوازية الحقيقية. بل إن الدماغ يقوم ببراعة فائقة بتحسين ترتيب خطوات المعالجة واحدة تلو الأخرى بحيث لا تعوق بعضها بعضاً، مؤكداً أن هذا التقاسم له حدود صارمة.

تأثير تعدد المهام على حياتنا اليومية والمهنية

تكتسب هذه الدراسة أهمية بالغة وتأثيراً واسع النطاق على المستويين المحلي والدولي، خاصة في بيئات العمل الحديثة التي تتسم بالضغط العالي. أثبت فريق البحث أنه بمجرد إدخال تغييرات طفيفة جداً على المهام المطلوبة، ارتفعت نسبة الأخطاء بشكل ملحوظ واحتاج المشاركون إلى وقت أطول بكثير لحلها. وفي هذا السياق، حذر عالم النفس “تيلو شتروباخ” من كلية ميديكال سكول هامبورج من أن محاولة تعدد المهام قد تتحول إلى خطر حقيقي في الحياة اليومية. على سبيل المثال، التحدث في الهاتف أثناء قيادة السيارة، أو العمل في مهن حساسة تتطلب مراقبة أنظمة متعددة كالمراقبة الجوية أو الرعاية الطبية. إن إدراكنا لآلية عمل الدماغ الحقيقية سيجبر المؤسسات الإقليمية والدولية على إعادة تقييم معايير تقييم الموظفين، والتركيز على جودة الانتباه والتركيز العميق بدلاً من تشتيت الانتباه بين أعمال متزامنة تقلل من الإنتاجية وتزيد من احتمالية وقوع حوادث كارثية.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى