اكتشاف نقوش أثرية عمرها 5000 عام في مشروع قمم السودة

في خطوة نوعية تبرز العمق الحضاري للمملكة العربية السعودية، أعلنت هيئة التراث بالتعاون مع شركة السودة للتطوير -إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة- عن نتائج مبهرة لأعمال المسح الأثري المشترك في منطقة عسير. وقد أسفرت هذه الجهود عن اكتشاف 20 صخرة تحمل نقوشاً ورسومات أثرية نادرة في نطاق مشروع "قمم السودة"، مما يضيف بعداً تاريخياً جديداً لهذه الوجهة السياحية العالمية.
شواهد حية من العصور القديمة
تكتسب هذه الاكتشافات أهمية استثنائية نظراً للفترة الزمنية التي تعود إليها، حيث يُقدر عمر النقوش والرسومات الصخرية بما بين 4000 و5000 عام. وتتضمن هذه الصخور نقوشاً بالخط الثمودي القديم، وهو أحد أبرز خطوط المسند الجنوبي التي استخدمها سكان الجزيرة العربية قديماً لتدوين يومياتهم وأحداثهم، مما يشير إلى أن هذه المنطقة كانت حاضنة لحضارات إنسانية متقدمة تمتلك لغة وتواصلاً ثقافياً فريداً.
وتزخر الصخور المكتشفة بتصاوير فنية دقيقة لحيوانات متنوعة مثل الوعول، والضباع، والنعام، بالإضافة إلى مشاهد توثق الحياة الاجتماعية في تلك الحقبة، مثل رسومات لصيادين وراقصين، وأشجار نخيل، وأسلحة متنوعة. تعكس هذه الرسومات طبيعة الحياة الفطرية والبيئية التي كانت سائدة في قمم جبال السروات، وتؤكد وفرة الموارد الطبيعية التي ساعدت على استيطان الإنسان في هذه المرتفعات منذ آلاف السنين.
الأهمية الاستراتيجية والتاريخية للموقع
لا ينفصل هذا الاكتشاف عن السياق التاريخي العريق لمنطقة عسير ومحافظة رجال ألمع، التي كانت عبر التاريخ ممراً حيوياً للقوافل التجارية القديمة التي ربطت جنوب الجزيرة العربية بشمالها. ويؤكد الخبراء أن العثور على مثل هذه النقوش في مناطق جبلية وعرة يبرهن على قدرة الإنسان القديم على التكيف مع التضاريس الصعبة، ويشير إلى ازدهار مجتمعات مستقرة مارست الصيد والزراعة والطقوس الاجتماعية المتنوعة.
ويأتي هذا الكشف ليدعم ملفات التراث العالمي في المنطقة، خاصة وأن قرية "رجال ألمع" التراثية القريبة من موقع الاكتشاف تتواجد بالفعل في القائمة المؤقتة لليونسكو، مما يعزز القيمة العالمية للمنطقة ككل.
تكامل التراث مع التنمية السياحية
جاءت هذه الاكتشافات ثمرة لمذكرة تفاهم استراتيجية بين هيئة التراث وشركة السودة للتطوير، نُفذت عبر أربع مراحل علمية دقيقة بدأت بجمع البيانات وتحليلها وانتهت بالتوثيق الميداني. ويهدف هذا التعاون إلى دمج البعد التراثي في المخطط العام لمشروع "قمم السودة"، ليكون وجهة جبلية سياحية فاخرة لا تكتفي بجمال الطبيعة، بل تقدم للزوار تجربة ثقافية غنية تسرد قصص الحضارات التي عاشت في المكان.
وتؤكد شركة السودة للتطوير من خلال هذه الأعمال التزامها الراسخ بالحفاظ على الإرث الثقافي والطبيعي، تماشياً مع رؤية المملكة 2030 التي تولي اهتماماً بالغاً بالمواقع الأثرية وتعتبرها ركيزة أساسية للهوية الوطنية وعنصراً جاذباً للسياحة الثقافية العالمية.



