وفاة ثريا قابل: رحيل رائدة الشعر الغنائي السعودي وصوت جدة

فجعت الأوساط الثقافية والفنية في المملكة العربية السعودية والوطن العربي اليوم، بنبأ رحيل الشاعرة الكبيرة ثريا قابل، التي وافتها المنية تاركة خلفها إرثاً شعرياً وغنائياً شكل علامة فارقة في تاريخ الأدب السعودي الحديث. وتُعد الراحلة أيقونة نسائية استثنائية، حيث كانت صوت المرأة السعودية في وقت كان فيه الحضور النسائي في المشهد الثقافي يخطو خطواته الأولى.
رائدة الكلمة النسائية وتحدي البدايات
لا يمكن اختزال مسيرة ثريا قابل في كونها شاعرة غنائية فحسب، بل هي رمز تاريخي للريادة النسوية في المملكة. ففي عام 1963، صنعت الحدث الأبرز في المشهد الثقافي بإصدارها ديوان «الأوزان الباكية» في بيروت، ليكون بذلك أول ديوان شعري فصيح يُنشر لامرأة سعودية باسمها الصريح، متجاوزة بذلك الأسماء المستعارة التي كانت سائدة آنذاك. هذا الإصدار لم يكن مجرد كتاب، بل كان وثيقة اجتماعية وثقافية مهدت الطريق لأجيال من الكاتبات السعوديات بعدها.
من حارة المظلوم إلى فضاءات بيروت
وُلدت «صوت جدة» عام 1940 في قلب حارة المظلوم، إحدى أعرق مناطق جدة التاريخية. نشأت يتيمة الأب، وتولت عمتها رعايتها، مما صقل شخصيتها القوية والمستقلة. وقد انعكست بيئة جدة المنفتحة وتجارتها وثقافتها الحجازية الأصيلة على مفردات ثريا، التي جمعت بين رقي الفصحى وعذوبة اللهجة المحكية. انتقلت لاحقاً إلى بيروت للدراسة في «الكلية الأهلية»، وهناك تفتقت موهبتها الصحفية والشعرية، حيث عملت في الصحافة وكتبت لصحف كبرى مثل «الحياة» و«الأنوار»، مما أكسب تجربتها بعداً عربياً واسعاً.
صانعة الأغنية السعودية الحديثة
شكلت قصائد ثريا قابل العاطفية نقلة نوعية في مسار الأغنية السعودية، حيث تعاونت مع كبار الملحنين والمطربين، وشكلت ثنائياً ذهبياً مع الراحل فوزي محسون. ومن أبرز أعمالها التي حفرت في ذاكرة الجمهور العربي:
- من بعد مزح ولعب: التي تعد واحدة من أشهر الأغاني السعودية الكلاسيكية.
- بشويش عاتبني: التي تميزت برقة العتاب والمفردة الحجازية.
- جاني الأسمر: الأغنية التي تغنى بها كبار الفنانين.
- لا وربي: التي صدح بها فنان العرب محمد عبده.
لقد استطاعت ثريا قابل أن تحول القصيدة النسائية من مجرد بوح ذاتي إلى أغنية جماهيرية يرددها الملايين، مما جعلها تستحق لقب «أم الأغنية السعودية» بجدارة. برحيلها اليوم، تطوى صفحة مضيئة من تاريخ الفن، لكن كلماتها ستظل خالدة في الوجدان.



