التراث والثقافة

وفاة سعيد السريحي.. رحيل رمز النقد والحداثة في السعودية

غيب الموت، اليوم الأربعاء، الناقد والأديب السعودي الكبير سعيد السريحي، عن عمر ناهز العقود السبعة، قضاها منافحاً عن الكلمة الحرة ومؤسساً لمدارس نقدية حديثة، تاركاً خلفه إرثاً ثقافياً ضخماً وبصمة لا تمحى في ذاكرة المشهد الثقافي السعودي والعربي.

رائد التجديد ومعارك الحداثة

يُعد الراحل سعيد السريحي واحداً من أبرز الأسماء التي شكلت ملامح الحركة النقدية في المملكة العربية السعودية، وتحديداً منذ حقبة الثمانينيات من القرن الماضي. ارتبط اسمه بشكل وثيق بتيار “الحداثة”، حيث خاض معارك فكرية وأدبية شرسة لتأسيس خطاب نقدي جديد يتجاوز القوالب التقليدية. لقد كان السريحي صوتاً جريئاً في مرحلة حساسة من تاريخ الثقافة السعودية، حيث ساهمت طروحاته في نقل النقد الأدبي من الانطباعية إلى المنهجية العلمية، متأثراً بالمدارس البنيوية وما بعد البنيوية، مما جعله قبلة للمثقفين الشباب ورمزاً للتنوير المعرفي.

الجدل الأكاديمي والانتصار للفكر

لا يمكن الحديث عن سيرة السريحي دون التطرق إلى الحادثة المفصلية في مسيرته الأكاديمية، والمتمثلة في قضية رسالته للدكتوراه في جامعة أم القرى. لقد أثارت تلك الرسالة جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية والدينية آنذاك بسبب منهجيته الحداثية في قراءة التراث والشعر، مما أدى إلى حجب الدرجة عنه في بادئ الأمر، في واقعة تحولت لاحقاً إلى وسام على صدره ورمزاً للصمود الفكري والدفاع عن ضرورة التجديد في قراءة الموروث الأدبي.

بين الصحافة والأدب.. مسيرة حافلة

لم يكتفِ السريحي بالعمل الأكاديمي والنقدي فحسب، بل كان قامة صحفية سامقة، حيث ارتبط اسمه بصحيفة “عكاظ” لسنوات طويلة، مشرفاً على القسم الثقافي وكاتباً لمقالات يومية لامست هموم المجتمع وقضايا الفكر. تميز قلمه بالرصانة والعمق، واللغة الشاعرية التي تكسر جمود المقال الصحفي. كما كان عضواً فاعلاً ومؤثراً في مجلس إدارة النادي الأدبي الثقافي بجدة، مساهماً في تنظيم الفعاليات والمحاضرات التي أثرت الحراك المعرفي في المنطقة الغربية والمملكة ككل.

إرث ثقافي ومؤلفات خالدة

ترك الفقيد للمكتبة العربية مجموعة من المؤلفات القيمة التي تنوعت بين النقد الأدبي، الفكر، والسيرة الذاتية والرواية. من أبرز أعماله كتاب “غواية الاسم”، و”الكتابة خارج الأقواس”، و”عتبات التهجي”، بالإضافة إلى كتابه السردي البديع “الرويس” الذي وثق فيه تحولات المكان والإنسان في مدينة جدة. إن رحيل السريحي لا يمثل فقط فقدان شخصية اعتبارية، بل هو طي لصفحة مهمة من تاريخ التحولات الثقافية في السعودية، حيث ستبقى أفكاره ونظرياته النقدية منارة للأجيال القادمة من الباحثين والنقاد.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى