كوبا وأمريكا: دياز كانيل يحدد شرط الحوار الوحيد مع ترامب

في ظل تصعيد غير مسبوق للتوترات الجيوسياسية في منطقة البحر الكاريبي، أعلن الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، يوم الجمعة، عن موقف بلاده الرسمي تجاه إمكانية فتح قنوات اتصال مع الولايات المتحدة الأمريكية. وأكد دياز كانيل استعداد هافانا للدخول في حوار بناء مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، واضعاً شرطاً أساسياً يتمثل في الاحترام المتبادل والندية، وقاطعاً الطريق أمام أي توقعات بتقديم تنازلات تمس السيادة الوطنية أو النظام السياسي للجزيرة.
سياق تاريخي للعلاقات المتوترة
تأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية الكوبية واحدة من أكثر فتراتها تعقيداً منذ أزمة الصواريخ الكوبية إبان الحرب الباردة. فعلى مدار أكثر من ستة عقود، اتسمت العلاقة بين البلدين بالعداء المستمر والحصار الاقتصادي الخانق الذي تفرضه واشنطن على هافانا. ورغم الانفراجة القصيرة التي شهدتها العلاقات في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، إلا أن عودة السياسات المتشددة أعادت الأمور إلى المربع الأول، حيث تسعى الإدارة الأمريكية الحالية إلى ممارسة أقصى درجات الضغط الاقتصادي والسياسي لإحداث تغيير في هرم السلطة الكوبي.
لا مساومة على السيادة
وفي خطاب حماسي ألقاه أمام مقر السفارة الأمريكية في العاصمة هافانا، قال الرئيس الكوبي: "سنظل منفتحين على الحوار وتحسين العلاقات بين البلدين، ولكن يجب أن يكون ذلك على قدم المساواة وعلى أساس الاحترام المتبادل". وشدد دياز كانيل بلهجة حازمة على أن بلاده لا تملك أي تنازلات سياسية لتقدمها، مضيفاً: "لن يكون ذلك مطروحاً على طاولة المفاوضات من أجل التقارب بين كوبا والولايات المتحدة"، في إشارة واضحة إلى رفض أي شروط مسبقة تتعلق بتغيير طبيعة النظام الشيوعي الحاكم.
تداعيات الأزمة الفنزويلية
يرتبط التصعيد الحالي بشكل وثيق بالتطورات الدراماتيكية التي شهدتها فنزويلا مؤخراً، والتي تعتبر الحليف الاستراتيجي والاقتصادي الأول لكوبا في المنطقة. فقد تصاعدت حدة التهديدات الأمريكية عقب الهجوم الذي شنته القوات الأمريكية في كراكاس بتاريخ 3 يناير، والذي أسفر عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. وقد كشفت التقارير عن مقتل 32 جندياً كوبياً خلال تلك العملية، حيث كان بعضهم ضمن طاقم الحراسة الخاص بمادورو، مما زاد من تعقيد المشهد ووضع هافانا في مواجهة مباشرة مع واشنطن.
الضغط الاقتصادي وسيناريو تغيير النظام
ولم يكتفِ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتهديد العسكري، بل لوّح بعواقب وخيمة إذا لم تذعن هافانا لشروطه، واصلاً به الأمر إلى اقتراح تولي وزير الخارجية ماركو روبيو منصب رئيس كوبا، وهو ما يعتبر استفزازاً صارخاً للقيادة الكوبية، نظراً لأن روبيو، المنحدر من أصول كوبية، يُعد من أشد المعارضين للنظام في الجزيرة ويدعو باستمرار لتغييره.
إضافة إلى ذلك، يواجه الاقتصاد الكوبي تحديات وجودية بعد إعلان واشنطن سيطرتها على النفط الفنزويلي ووقف الشحنات والمساعدات إلى الجزيرة. وتعتبر فنزويلا المورد الرئيسي للطاقة لكوبا منذ عام 2000، حيث كانت تمدها بالنفط بأسعار تفضيلية مقابل خدمات طبية وأمنية، مما يعني أن قطع هذا الشريان الحيوي قد يدخل كوبا في أزمة طاقة خانقة تعيد للأذهان صعوبات فترة التسعينيات.
وفي ختام تصريحاته، نفى ميغيل دياز كانيل بشكل قاطع وجود أي مفاوضات سرية جارية حالياً مع الولايات المتحدة، مكذباً بذلك ما أورده الرئيس الأمريكي، ومؤكداً ثبات الموقف الكوبي في وجه الضغوط المتزايدة.



