الهيكلة الرضائية: تعديلات نظام الإفلاس لتعزيز التسويات الودية

في خطوة تهدف إلى تعزيز مرونة البيئة التشريعية الاقتصادية في المملكة العربية السعودية، كشفت لجنة الإفلاس «إيسار» عن حزمة من التعديلات النظامية المقترحة التي تستهدف تقنين اتفاقيات إعادة الهيكلة خارج أروقة المحاكم، فيما يُعرف بـ “الهيكلة الرضائية”. وتأتي هذه الخطوة استجابةً لمتطلبات المرحلة الحالية التي تشهد حراكاً اقتصادياً واسعاً ضمن رؤية المملكة 2030، حيث تسعى الجهات التنظيمية لتوفير حلول عملية تمكن المنشآت المتعثرة من استعادة توازنها المالي دون الدخول في إجراءات قضائية طويلة ومعقدة.
آلية الهيكلة الرضائية خارج المحاكم
تتيح المسودة الجديدة للمدين، سواء كان منشأة كبيرة أو مديراً صغيراً، إمكانية الاتفاق المباشر مع الدائنين على خطة استباقية لإعادة هيكلة الديون. وتتميز هذه الآلية بأنها تتم قبل قيد أي طلب رسمي لافتتاح إجراءات الإفلاس أو الإيداع القضائي، مما يحافظ على سمعة المنشأة التجارية ويقلل من الآثار السلبية للإشهار. ولضمان جدية هذه التسويات وعدالتها، ألزمت التعديلات المدين بضرورة تصديق الخطة من قبل “أمين إفلاس” مرخص، والذي يلعب دوراً محورياً في التأكد من استيفاء الخطة لمعايير العدالة وتحقيقها لمصالح أغلبية الدائنين قبل رفعها للمحكمة للمصادقة عليها.
حماية حقوق الدائنين والأقلية المعترضة
تمنح المقترحات الجديدة المحكمة التجارية صلاحية التصديق على «الخطة الرضائية»، وهو إجراء يترتب عليه تحصين الاتفاق ومنح المحكمة الحق في رفض أي طلبات لاحقة لافتتاح إجراءات الإفلاس قد تهدد استقرار هذا الاتفاق. وفي إطار تعزيز الثقة بين أطراف العلاقة التجارية، وضع النظام المقترح ضوابط صارمة لحماية الدائنين الذين قد يصوتون بالرفض على الخطة. حيث اشترطت التعديلات أن تتضمن مقترحات إعادة التنظيم المالي حداً أدنى من الحصيلة للدائنين المعترضين، بحيث يكون العائد المعروض عليهم مساوياً – على الأقل – لما قد يحصلون عليه في حال تمت تصفية أصول المدين فعلياً، مما يضمن عدم الإضرار بحقوقهم المالية.
الموازنة بين حماية الأصول والمصلحة العامة
على صعيد آخر، تضمنت التعديلات نصوصاً مرنة تجيز للمحكمة رفع «وقف المطالبات» عن ديون محددة إذا تبين أن ذلك يصب في مصلحة إجراء الإفلاس العام. كما استحدث المشرع استثناءً هاماً يتماشى مع المعايير العالمية، يسمح بوقف سريان تعليق المطالبات في حالات الطوارئ المتعلقة بالبيئة أو الصحة أو السلامة العامة بناءً على طلب الجهات المختصة. ويأتي هذا الاستثناء لموازنة حماية أصول التفليسة مع اعتبارات المصلحة العامة العليا، تماشياً مع الممارسات الدولية ودليل الأونسيترال التشريعي لقانون الإعسار.
استقلال مالي ومحاكاة للنماذج العالمية
وعلى الصعيد المؤسسي، اقترحت المسودة نقلة نوعية في عمل لجنة الإفلاس عبر منحها استقلالاً مالياً كاملاً من خلال تخصيص ميزانية سنوية مستقلة لها ضمن ميزانية الدولة. وسيشمل الدخل المالي للجنة المقابل المالي الذي تستوفيه نظير إدارة إجراءات التصفية الإدارية، وإصدار التراخيص، والخدمات المهنية التي تقدمها. وتهدف هذه الخطوة الإدارية إلى محاكاة النماذج العالمية الناجحة في دول مثل أستراليا والمملكة المتحدة، حيث تتمتع هيئات الإفلاس بموارد ذاتية تعزز كفاءتها التشغيلية وتضمن استدامتها في تنظيم هذا القطاع الحيوي.




