500 زراعة القوقعة بالشرقية وتقنية جذع الدماغ لفاقدي السمع

سجل مستشفى الملك فهد الجامعي بالخبر إنجازاً طبياً استثنائياً يضاف إلى سجل الإنجازات الصحية في المملكة العربية السعودية، حيث أعلن عن توظيف تقنية زراعة أجهزة السمع مباشرة في “جذع الدماغ”. تأتي هذه الخطوة المتقدمة لإنهاء معاناة الحالات المستعصية من فاقدي السمع، وتتويجاً للنجاحات الكبيرة التي حققها المستشفى بتجاوز 500 عملية في مجال زراعة القوقعة بالشرقية، مما يمثل بارقة أمل جديدة للمرضى الذين لم تستجب حالاتهم للتدخلات الطبية التقليدية.
التطور التاريخي لتقنيات استعادة السمع
تاريخياً، شهدت تقنيات معالجة فقدان السمع تطوراً مذهلاً على مر العقود. بدأت الرحلة باستخدام السماعات الطبية البسيطة التي تعتمد على تضخيم الصوت، ثم انتقل الطب إلى ثورة زراعة القوقعة التي تستهدف تحفيز العصب السمعي مباشرة. ومع استمرار الأبحاث الطبية، ظهرت الحاجة الماسة لإيجاد حلول للحالات التي تعاني من تلف كامل في العصب السمعي أو تشوهات خلقية شديدة في القوقعة. هنا برزت تقنية زراعة “جذع الدماغ السمعي” (ABI) كابتكار تاريخي يتجاوز الأذن الداخلية والعصب السمعي ليرسل الإشارات الكهربائية مباشرة إلى الدماغ، مما يعد نقلة نوعية في تاريخ الطب الحديث.
إنجاز رائد في زراعة القوقعة بالشرقية وتأثيره الإقليمي
لا يقتصر الأثر الإيجابي لهذا التطور الطبي على النطاق المحلي فحسب، بل يمتد ليشمل التأثير الإقليمي والدولي. إن توطين هذه التقنيات المعقدة ونجاح عمليات زراعة القوقعة بالشرقية يعزز من مكانة المملكة كوجهة رائدة للسياحة العلاجية والرعاية الصحية المتقدمة في الشرق الأوسط، تماشياً مع مستهدفات رؤية السعودية 2030. هذا التقدم يقلل من حاجة المرضى للسفر إلى الخارج لتلقي العلاج، ويوفر بيئة طبية متكاملة تخدم المواطنين والمقيمين، وتستقطب الحالات المعقدة من الدول المجاورة، مما يرفع من تصنيف المنظومة الصحية السعودية عالمياً.
بروتوكولات دقيقة لقياس استجابات الدماغ للصوت
وفي تفاصيل هذا المسار العلاجي، بيّن رئيس وحدة السمعيات الدكتور إبراهيم بوسعد أن هذا الخيار الطبي المتقدم يُخصص للحالات النادرة التي تعاني من ضعف سمع “شديد إلى عنيف”، ليمثل الملاذ الأخير لاستعادة القدرة السمعية. وأوضح أن رحلة العلاج المعقدة تسبقها بروتوكولات تشخيص دقيقة جداً. وأشار إلى استخدام تقنية متطورة لقياس “استجابات الدماغ للصوت” لدى الأطفال أثناء نومهم، وذلك لضمان موثوقية تحديد درجة الضعف ونوعه بدقة متناهية. ولفت إلى أن التدخلات الطبية تتدرج وفق حالة المريض، بدءاً من السماعات التقليدية للحالات البسيطة، ووصولاً إلى “السماعات العظمية” التي تنقل الموجات الصوتية عبر العظم للحالات الخاصة التي يحددها الفريق الطبي المختص.
حملة “ميلاد صوت”.. خارطة طريق للمرضى
وفي سياق كشف هذه الحلول المتقدمة للمجتمع، أشار رئيس وحدة زراعة القوقعة الدكتور رضا الرميح إلى إطلاق حملة توعوية كبرى تحت اسم “ميلاد صوت”. تهدف هذه الحملة إلى رسم خارطة الطريق للمرضى وتسليط الضوء على هذه الابتكارات الطبية الحديثة. وأكد الرميح أن الفعالية تستعرض عبر ثمانية أركان تفاعلية تجارب حية لمتعافين خضعوا لتدخلات جراحية نادرة واستعادوا النطق بنجاح. هذه التجارب الحية تبعث رسائل أمل قوية للمصابين وعائلاتهم، وتوجههم نحو المسارات الصحيحة لبرامج التأهيل اللفظي والسمعي التي تعقب العمليات الجراحية.
بنية تحتية طبية تعزز نجاحات المستشفى الجامعي
من جانبه، تطرق رئيس قسم الأنف والأذن والحنجرة الدكتور أحمد الخطيب إلى أن تقديم هذه الخيارات العلاجية الحيوية لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى بنية تحتية صلبة ومتطورة تمتلكها الوحدة التخصصية الأولى بالمنطقة الشرقية. وكشف الخطيب أن الوحدة نجحت حتى اليوم في إعادة حاسة السمع لـ 500 مريض عبر زراعة القوقعة، بمعدل إنجاز يتراوح بين 50 إلى 60 جراحة دقيقة سنوياً. هذا الرقم يعكس الكفاءة العالية للكوادر الطبية والتجهيزات التقنية التي تضمن تحقيق أعلى نسب النجاح في هذه العمليات الدقيقة والمعقدة.



