علاج السرطان في السعودية: تقنيات كشف ثورية ومركز للبروتون

تشهد المملكة العربية السعودية تحولاً تاريخياً في قطاع الرعاية الصحية، يتماشى مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030» وبرنامج تحول القطاع الصحي، حيث كشف الدكتور مشبب العسيري، المدير العام للمركز الوطني للسرطان في المجلس الصحي السعودي، عن استراتيجية وطنية شاملة تهدف إلى تغيير خارطة التعامل مع الأورام السرطانية، ونقلها من خانة الأمراض القاتلة إلى الأمراض المزمنة المسيطر عليها.
ثورة التشخيص: فحص دم واحد يكشف 50 نوعاً
في تطور لافت للطب الوقائي، أعلن الدكتور العسيري عن قرب وصول تقنية تشخيصية متقدمة إلى المملكة خلال العامين المقبلين. هذه التقنية، التي تعتمد على «الخزعة السائلة» وتحليل التغيرات الجينية وشظايا الحمض النووي (DNA) في الدم، تتيح الكشف المبكر عن 50 نوعاً مختلفاً من السرطان عبر فحص دم واحد فقط. وتُعد هذه الخطوة قفزة هائلة مقارنة بالطرق التقليدية، حيث تتوفر هذه التقنية حالياً في الولايات المتحدة بتكلفة تقارب 950 دولاراً، ومن المتوقع أن تساهم في رفع معدلات النجاة بشكل غير مسبوق عبر اكتشاف المرض قبل ظهور أعراضه السريرية.
مركز العلاج بالبروتون: الأول من نوعه في المنطقة
تعزيزاً للبنية التحتية العلاجية، أكد العسيري الجاهزية التشغيلية لمركز العلاج بتقنية «البروتون» في الرياض، والمقرر افتتاحه خلال 6 أسابيع بتكلفة استثمارية ضخمة بلغت مليار ريال. وتكتسب هذه الخطوة أهمية إقليمية كبرى، حيث تُعد تقنية البروتون قمة التطور في العلاج الإشعاعي عالمياً.
وتتميز هذه التقنية بدقتها المتناهية في استهداف الورم دون الإضرار بالأنسجة السليمة أو الأعضاء الحيوية المجاورة، مما يجعلها الخيار الأفضل لعلاج سرطانات الدماغ المعقدة وأورام الأطفال. وقد التزمت وزارة الصحة بتحمل تكلفة العلاج التي تبلغ محلياً 200 ألف ريال للحالة، موفرة بذلك مبالغ طائلة كانت تُصرف للعلاج في الخارج (حوالي 600 ألف ريال في المراكز الأمريكية)، مما يعكس كفاءة الإنفاق الحكومي وتوطين الخدمات الصحية المتقدمة.
توطين التقنيات الحيوية والعلاج المناعي
لم تتوقف الإنجازات عند البنية التحتية، بل شملت توطين العلاجات الجينية والمناعية المتقدمة. فقد نجحت المملكة في تطبيق تقنية «الخلايا التائية» (CAR-T cells)، محققة نسب شفاء وصلت إلى 70% في حالات سرطان الدم المستعصية. وساهم هذا التوطين في خفض تكلفة العلاج من 10 ملايين ريال للحالة في الخارج إلى 3 ملايين ريال داخل المملكة، وقد استفاد من هذه التقنية أكثر من 200 مريض حتى الآن.
السياق الاستراتيجي ومؤشرات الأداء
تأتي هذه التحركات في وقت تسجل فيه المملكة معدلات شفاء تضاهي الدول المتقدمة طبياً مثل فرنسا والولايات المتحدة، حيث وصلت نسب الشفاء في سرطانات الثدي، القولون، الغدة الدرقية، والبروستات إلى 98% عند الاكتشاف المبكر. ومع ذلك، يواجه القطاع تحديات تتمثل في ارتفاع معدلات الإصابة (135 حالة لكل 100 ألف نسمة) نتيجة زيادة متوسط العمر المتوقع إلى 79 عاماً وانتشار أنماط الحياة غير الصحية.
ولمواجهة هذه التحديات، يتم العمل على خطط مستقبلية تشمل إدراج فحص سرطان الرئة ضمن البرامج الوطنية، وإلزام التأمين الطبي بتغطية فحوصات الأورام، فضلاً عن تعزيز مكانة المملكة كمركز إقليمي للأبحاث بعد انضمامها لوكالة اتحاد السرطان الدولية، مما يبشر بمستقبل واعد يعتمد على اللقاحات والجراحات الروبوتية الدقيقة.



