اضطراب ثنائي القطب: الأعراض، التشخيص المبكر وطرق العلاج

أكد نخبة من المختصين في المجال النفسي والاجتماعي لـ”اليوم” بمناسبة اليوم العالمي الذي يوافق 30 مارس من كل عام، أن اضطراب ثنائي القطب ليس مجرد “تقلب مزاجي عابر” يمر به الإنسان في حياته اليومية، بل هو حالة نفسية وطبية معقدة تؤثر بشكل عميق وواضح على سلوك الفرد، علاقاته، وقدرته على أداء مهامه اليومية. وأشاروا إلى أن التشخيص الدقيق والمبكر يمثل حجر الزاوية في تحسين المآل السريري للمرضى وتقليل العبء المرضي على المدى الطويل، مؤكدين أن الالتزام بالخطة العلاجية والتعاون الوثيق بين المريض، أسرته، والفريق الطبي يسهم بشكل فعال في استقرار المزاج وتقليل معدلات الانتكاس.
تاريخ فهم اضطراب ثنائي القطب وتطوره الطبي
بالعودة إلى السياق العام والخلفية التاريخية، لم يكن اضطراب ثنائي القطب يُعرف بهذا الاسم في الماضي. فقد عُرف تاريخياً بمصطلح “الاكتئاب الهوسي”، وهو مصطلح صاغه أطباء النفس في أواخر القرن التاسع عشر لتمييز هذا المرض عن اضطرابات الصحة العقلية الأخرى مثل الفصام. على مر العقود، تطور الفهم الطبي والنفسي لهذا الاضطراب بشكل كبير، حيث انتقل من كونه حالة يُساء فهمها وتُحاط بالوصمة الاجتماعية، إلى تشخيص طبي دقيق يعتمد على معايير علمية واضحة في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM). هذا التطور التاريخي ساهم في تغيير النظرة المجتمعية وفتح آفاقاً واسعة لتطوير أدوية وعلاجات نفسية فعالة تمنح المرضى فرصة لعيش حياة طبيعية ومستقرة.
التأثير الصحي والاجتماعي على المستويين المحلي والدولي
تبرز أهمية تسليط الضوء على هذا المرض من خلال تأثيره الواسع الذي يتخطى حدود الفرد ليصل إلى المجتمع بأسره. على الصعيد الدولي، تشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى أن هناك ملايين الأشخاص حول العالم يعانون من هذا الاضطراب، مما يجعله واحداً من المسببات الرئيسية للإعاقة وتراجع الإنتاجية. أما على المستوى الإقليمي والمحلي، فإن تزايد الوعي بأهمية الصحة النفسية أدى إلى إطلاق مبادرات وطنية تهدف إلى دمج المرضى في المجتمع وتوفير بيئات عمل وتعليم داعمة لهم. إن التأثير المتوقع لزيادة الوعي والتدخل المبكر لا يقتصر على تخفيف المعاناة الشخصية للمريض، بل يمتد ليشمل تخفيف الأعباء الاقتصادية على أنظمة الرعاية الصحية وتعزيز التماسك الأسري والمجتمعي.
طبيعة المرض: خلل بيولوجي وليس ضعفاً في الشخصية
وفي تفصيل طبيعة المرض، أوضحت الأخصائية النفسية نورة اليزيد أن هذا الاضطراب هو مرض مزاجي مزمن يتميز بحدوث نوبات متناوبة من الهوس (أو الهوس الخفيف) ونوبات من الاكتئاب. ويرتبط هذا التباين بخلل في تنظيم النواقل العصبية في الدماغ، مثل الدوبامين والسيروتونين، بالإضافة إلى عوامل وراثية ووظيفية دماغية. وخلال نوبة الهوس، يظهر على المريض ارتفاع ملحوظ في المزاج، زيادة في النشاط، انخفاض الحاجة للنوم، واندفاعية قد تصل لسلوكيات خطرة. في المقابل، تتسم نوبات الاكتئاب بانخفاض حاد في المزاج، فقدان الشغف، واضطرابات في النوم والتركيز. وشددت “اليزيد” على أن التفريق بين هذا المرض والاكتئاب أحادي القطب يعتمد أساساً على وجود تاريخ لنوبة هوس واحدة على الأقل، محذرة من أن التشخيص الخاطئ واستخدام مضادات الاكتئاب دون مثبتات مزاج قد يحفز نوبات الهوس.
التدخل المبكر والعلاج المعرفي السلوكي
من جانبها، كشفت اختصاصي أول نفسي، الدكتورة تركية الشهراني، أن الاضطراب يُعد من اضطرابات المزاج الذهانية التي تتطلب تدخلاً مبكراً للسيطرة على الأعراض. وأكدت أن التثقيف النفسي للمريض وذويه يلعب دوراً محورياً في زيادة الوعي حول طبيعة المرض، مما يمكن المصابين من طلب المساعدة في الوقت المناسب. وفندت “الشهراني” الاعتقاد الخاطئ بأن المرض لا يمكن علاجه، مؤكدة أن العلاج الدوائي يتكامل مع الجلسات النفسية، كالعلاج المعرفي السلوكي، الذي يعلم المريض مهارات يومية للتعامل مع الضغوط، منع الانتكاسة، وتعديل الأفكار المشوهة التي تصاحب نوبات الهوس أو الاكتئاب.
الاحتواء الأسري والوعي المجتمعي يصنعان الفرق
وفي السياق الاجتماعي والتربوي، اتفقت كل من الأخصائية الاجتماعية عزة العتيبي وأستاذ التربية الخاصة المشارك الدكتورة سعاد أبوزيد، على أن دور الأسرة لا يقل أهمية عن العلاج الطبي. الدعم الحقيقي يبدأ بالفهم العميق لطبيعة المرض كحالة بيولوجية ونفسية، والابتعاد عن توجيه اللوم للمريض أو وصفه بـ”ضعيف الإرادة”. وأوضحتا أن توفير بيئة مستقرة ذات إيقاع يومي منتظم، ومراقبة العلامات المبكرة للانتكاس، وتشجيع المريض على الالتزام بالخطة العلاجية، هي خطوات أساسية تضمن استقرار الحالة. وختاماً، فإن بناء خطة دعم متكاملة، سواء في الأسرة أو البيئة المدرسية والمهنية، يساهم في دمج المريض بشكل فعال ويصنع فرقاً حقيقياً في جودة حياته ومستقبله.



