بلجيكا ترفض استخدام الأصول الروسية لدعم أوكرانيا: الأسباب والتداعيات

في تطور لافت يهدد وحدة الصف الأوروبي تجاه ملف تمويل كييف، جدد رئيس الوزراء البلجيكي، بارت دي ويفر، رفض بلاده القاطع للخطة المقترحة من الاتحاد الأوروبي والتي تهدف إلى استخدام الأصول الروسية المجمدة لتمويل أوكرانيا. ويأتي هذا الرفض ليشكل عقبة رئيسية أمام مساعي التكتل لتوفير سيولة مالية عاجلة لكييف في ظل استمرار الحرب وتناقص الموارد.
مخاوف من مغامرة قانونية ومالية
أعرب دي ويفر، في رسالة رسمية موجهة إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، عن قلقه العميق تجاه ما وصفه بـ"المغامرة في مجالات قانونية ومالية مجهولة". وأكد في رسالته المكونة من أربع صفحات أن الاعتماد على أصول البنك المركزي الروسي المجمدة، والتي تتخذ من بلجيكا مقراً رئيسياً لها، يعد "خياراً خاطئاً تماماً" في الوقت الراهن.
وتستند المخاوف البلجيكية إلى اعتبارات سيادية واقتصادية حساسة؛ حيث تخشى بروكسل أن تتحمل وحدها العبء القانوني والمالي في حال فشل الخطة أو تعرضها لطعون قانونية دولية، خاصة وأن مؤسسة "يوروكلير" (Euroclear) التي تتخذ من بروكسل مقراً لها، تحتفظ بنحو 210 مليارات يورو من إجمالي الأصول الروسية المجمدة في الغرب والبالغة 235 مليار يورو.
السياق العام وأهمية مؤسسة يوروكلير
لفهم الموقف البلجيكي، يجب النظر إلى الدور المحوري الذي تلعبه مؤسسة "يوروكلير" في النظام المالي العالمي. فهي ليست مجرد بنك، بل هي واحدة من أكبر غرف المقاصة في العالم، وتعتبر حجر الزاوية في استقرار التعاملات المالية الأوروبية. ومنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، قامت الدول الغربية بتجميد أصول البنك المركزي الروسي، إلا أن تحويل هذه الأصول أو أرباحها لتمويل طرف ثالث (أوكرانيا) يثير جدلاً قانونياً غير مسبوق حول حقوق الملكية والحصانة السيادية للدول.
وكانت المفوضية الأوروبية قد اقترحت استخدام هذه الأموال كضمانة لـ"قرض تعويضات" بقيمة تصل إلى 140 مليار يورو لصالح أوكرانيا، على أن يتم سداده مستقبلاً من التعويضات التي قد تدفعها روسيا بعد انتهاء الحرب. إلا أن هذا السيناريو يواجه تحذيرات سابقة من البنك المركزي الأوروبي الذي يخشى أن تؤدي مصادرة الأصول إلى زعزعة الثقة في اليورو كعملة احتياط عالمية واضطراب الأسواق المالية.
ضغوط أوروبية ومخاطر الانتقام الروسي
على الرغم من التحفظات البلجيكية، تضغط قوى أوروبية كبرى، وعلى رأسها ألمانيا ودول البلطيق وبولندا، للمضي قدماً في الخطة. وقد صرح المستشار الألماني فريدريش ميرتس بأنه يمارس ضغوطاً على الحكومة البلجيكية للانضمام إلى الإجماع الأوروبي، معتبراً أن استخدام الأصول الروسية هو "أداة عادلة" لإنهاء الحرب وممارسة الضغط على موسكو.
في المقابل، يرى دي ويفر أن بلجيكا قد تكون الهدف الأول لأي إجراءات انتقامية روسية، سواء كانت هجمات سيبرانية أو دعاوى قضائية لا حصر لها، مشدداً على أنه لن يقبل بتحميل بلجيكا وحدها هذه المخاطر. واشترط للموافقة تقديم "ضمانات ملزمة" وموقعة من كافة الدول الأعضاء لتوزيع المخاطر بشكل عادل لحظة اتخاذ القرار.
وأمام الدبلوماسيين الأوروبيين مهلة قصيرة لا تتجاوز ثلاثة أسابيع لمحاولة إقناع بلجيكا أو إيجاد بدائل تمويلية أخرى قبل القمة الأوروبية الحاسمة المقررة في 18 ديسمبر المقبل، والتي تهدف لضمان استمرار تدفق الدعم لكييف للعامين المقبلين.



