سماء العلا: وجهة عالمية للتصوير الفلكي وعدسات ناسا

تحولت سماء محافظة العلا في المملكة العربية السعودية، خلال السنوات القليلة الماضية، إلى قبلة عالمية ومقصد رئيسي لعشاق الفلك ومحترفي التصوير الليلي من كافة أصقاع الأرض. ويعود هذا التحول الجذري إلى ما تتمتع به المنطقة من خصائص جغرافية ومناخية نادرة، تتمثل في النقاء الجوي الاستثنائي والانخفاض الشديد في معدلات التلوث الضوئي، مما حول ليلها إلى مسرح كوني مفتوح يعرض تفاصيل دقيقة لمجرة درب التبانة، وزخات الشهب، والسدم البعيدة التي يصعب رصدها في معظم مدن العالم.
تناغم الطبيعة مع الكون
لا يقتصر سحر العلا على سمائها فحسب، بل يكمن السر في التناغم البصري الفريد بين القبة السماوية والتكوينات الجيولوجية على الأرض. فصخور العلا الرملية التي نحتتها عوامل التعرية عبر ملايين السنين، مثل منطقة “الغراميل” الشهيرة، تشكل مقدمات بصرية (Foregrounds) درامية للصور الفلكية، مما يمنح المصورين تكويناً فنياً يجمع بين عظمة الأرض ولا نهائية السماء. هذا المزيج جعل من المنطقة استوديو طبيعياً مفتوحاً يجذب الباحثين عن توثيق الظواهر الفلكية النادرة في بيئة بكر.
إرث حضاري مرتبط بالنجوم
من الناحية التاريخية، لا يعد ارتباط العلا بالفلك وليد اللحظة، بل هو امتداد لإرث حضاري عريق. فقد كانت هذه الأرض موطناً لممالك قديمة مثل دادان والأنباط، الذين برعوا في علوم الفلك واستخدموا النجوم لتحديد الاتجاهات في القوافل التجارية، ومواسم الزراعة والحصاد. واليوم، تعيد السياحة الفلكية إحياء هذا الارتباط القديم، حيث تسعى الهيئة الملكية لمحافظة العلا للحفاظ على سماء المنطقة مظلمة ونقية كجزء من التراث الطبيعي، مما يعزز مكانتها ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تنويع المنتج السياحي.
كفاءات وطنية بعدسات عالمية
في ظل هذا الحراك، برزت أسماء سعودية لامعة استثمرت هذه البيئة المثالية، وفي مقدمتهم المصور الفلكي أبوبكر عبدالله باسودان. وقد استطاع باسودان توظيف تضاريس العلا لإنتاج أعمال فنية ذات قيمة علمية عالية، مكنته من حصد المركز الأول في مسابقة “أبعاد” التي نظمتها وكالة الفضاء السعودية. ولم يتوقف إنجازه عند الحدود المحلية، بل وصلت أعماله إلى العالمية عبر منصات وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، التي نشرت صوره لسدم فلكية تم رصدها بوضوح تام في سماء المملكة.
مستقبل السياحة الفلكية
ويؤكد الخبراء أن العلا تمتلك مقومات لتكون عاصمة للسياحة الفلكية في الشرق الأوسط، حيث تتيح لزوارها تجربة رصد النجوم بالعين المجردة أو عبر التلسكوبات المتطورة، بعيداً عن صخب المدن وأضوائها. ومع استمرار الاهتمام بتطوير المحميات الطبيعية ذات السماء المظلمة، تترسخ مكانة العلا كوجهة تلتقي فيها المعرفة العلمية بالإبداع الفني، موفرة مساحة للتأمل في عظمة الكون.




