جبال العلا: حارسة التراث ومعجزة الطبيعة في السعودية

تُجسّد جبال العلا في المملكة العربية السعودية أحد أبرز المكونات البيئية والجغرافية التي شكّلت هوية المكان عبر آلاف السنين. فهي ليست مجرد تكوينات صخرية صامتة، بل هي شواهد حية تتمتع بتنوّعٍ تضاريسي مذهل أسهم بشكل مباشر في حماية التراث الإنساني وصون الواحات الخضراء، مما خلق توازناً طبيعياً فريداً ارتبط باستقرار الإنسان واستدامة الحياة في هذه المحافظة العريقة.
درع الطبيعة وحاضنة الواحات
يبرز الامتداد الجبلي في العُلا بوصفه إطاراً طبيعياً وسوراً حصيناً حافظ على المواقع التراثية من عوامل التعرية القاسية عبر الزمن. وقد لعبت هذه الجبال دوراً محورياً في استمرارية الواحات الزراعية الغناء، من خلال دورها في تنظيم المناخ المحلي، وتوفير مصدات للرياح، وتوجيه مياه الأمطار والسيول نحو الأودية الخصبة؛ مما عزّز قدرة المكان على الحفاظ على ملامحه البيئية والتاريخية، وجعل من العلا سلة غذاء ومحطة استراحة للقوافل القديمة.
سجل تاريخي ومكتبة مفتوحة
لا يقتصر حضور جبال العُلا على بُعدها الجغرافي والجيولوجي فحسب، بل يتداخل بعمق مع البعد الثقافي والحضاري للمملكة. فقد شكّلت هذه الجبال عبر الزمن عنصراً ثابتاً في المشهد التاريخي، وارتبطت بأنماط الاستيطان البشري والنشاط الزراعي. وتعد جبال العلا بمثابة “مكتبة مفتوحة”، حيث وثقَّت الحضارات التي تعاقبت على المنطقة — مثل الحضارة الدادانية واللحيانية والنبطية — جزءاً كبيراً من تاريخها ومعارفها وطقوسها الدينية عبر الصخور.
وتزخر الجبال بنقوش ورموز وكتابات قديمة تُعد من أهم الشواهد على تطوّر الكتابة واللغة والإنسان في شبه الجزيرة العربية، ولعل أبرز مثال على ذلك هو “جبل عكمة” الذي يضم آلاف النقوش التي تروي قصصاً من الماضي البعيد.
العلا واليوم الدولي للجبال
يأتي تسليط الضوء على جبال العُلا وأهميتها الاستراتيجية تزامناً مع اليوم الدولي للجبال الذي يُوافق الحادي عشر من ديسمبر من كل عام. وهو اليوم الذي أقرّته الأمم المتحدة للتأكيد على أهمية الجبال بوصفها مورداً طبيعياً أساسياً، وعنصراً محورياً في الحفاظ على التوازن البيئي ودعم المجتمعات المحلية حول العالم.
وتعكس جبال العُلا نموذجاً حياً ومثالياً لهذا الدور العالمي، بما تؤديه من وظائف بيئية متكاملة تسهم في حماية الطبيعة ودعم الاستدامة. كما يعزز هذا التنوع الجبلي مكانة العُلا بوصفها وجهة سياحية عالمية تجمع بين الإرث الطبيعي والعمق التراثي، تماشياً مع رؤية المملكة 2030 التي تولي اهتماماً بالغاً بالحفاظ على المواقع الطبيعية والتاريخية وتقديمها للعالم في انسجامٍ يحفظ المكان للأجيال القادمة.



