شتاء الأحساء: كشتات برية بتنظيم رقمي وأجواء كرنفالية

مع حلول موسم الشتاء وانخفاض درجات الحرارة، تتحول رمال محافظة الأحساء الذهبية إلى وجهة رئيسية للعائلات والشباب، حيث ينتعش موسم «الكشتات» والرحلات البرية التي تمثل جزءاً أصيلاً من الموروث الثقافي والاجتماعي في المملكة العربية السعودية. ولا تقتصر هذه الرحلات على كونها نزهة عابرة، بل أصبحت ظاهرة اجتماعية منظمة تعكس تلاحم المجتمع وحرصه على استثمار المقومات الطبيعية التي تزخر بها المنطقة.
الأحساء.. واحة التاريخ ووجهة السياحة الشتوية
تتمتع محافظة الأحساء، المسجلة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، بطبيعة جغرافية فريدة تجمع بين أكبر واحة نخيل في العالم وبين الامتدادات الصحراوية الساحرة. وفي فصل الشتاء، تكتسب هذه المناطق أهمية مضاعفة، حيث يصبح الطقس المعتدل عاملاً محفزاً للخروج إلى أحضان الطبيعة. وتُعد هذه الرحلات امتداداً لتقاليد الآباء والأجداد في الارتباط بالأرض، إلا أنها تطورت اليوم لتواكب العصر عبر استخدام التقنيات الحديثة في التنظيم، مما يعزز من مكانة الأحساء كوجهة سياحية شتوية رائدة على مستوى الخليج.
التنظيم الرقمي يقود نجاح الرحلات
لم تعد الرحلات البرية عشوائية كما كانت في السابق، بل أصبحت تخضع لتخطيط دقيق يعتمد على التكنولوجيا. وفي هذا السياق، أوضح «أكرم الغريب» أن نجاح أي «كشتة» يبدأ من المجموعات الرقمية عبر تطبيقات التواصل، التي تسهل التنسيق وتوزيع المهام. وأكد أن الأجواء الشتوية المشجعة تدفع الشباب لتكوين فرق عمل تتولى تجهيز المستلزمات، واختيار المواقع بدقة، وتأمين السيارات المجهزة، مما يضمن سلاسة الرحلة وسلامة المشاركين.
روح الفريق والأنشطة الترفيهية
تتميز هذه التجمعات بتنوع الأنشطة التي تكسر روتين الحياة اليومية. ويشير «وضاح السهلي» إلى أن روح التعاون هي السمة البارزة فور الوصول للموقع، حيث يتشارك الجميع في إعداد الجلسات وتجهيز «العزبة» والطهي. وتتنوع الفعاليات بين الأنشطة الرياضية والذهنية، حيث ذكر «يزيد العطوي» أن الجدول يشمل منافسات كرة القدم، وسباقات الجري، بالإضافة إلى الألعاب الشعبية والورقية مثل «البلوت» و«الكيرم»، مما يضفي جواً من الحماس والمرح يعزز الروابط الأخوية.
الصحة النفسية والهروب من ضغوط العمل
من الناحية النفسية، تلعب هذه الرحلات دوراً محورياً في تعزيز الصحة العقلية. وبيّن «حسين الحصحوص» و«مشاري الغريب» أن الخروج للبر يمثل متنفساً ضرورياً لتخفيف ضغوط العمل والحياة، وتحسين المزاج العام. وتتيح هذه اللقاءات فرصة لاجتماع الأصدقاء القادمين من مدن مختلفة مثل الدمام والجبيل، مما يعزز التواصل الاجتماعي المباشر بعيداً عن شاشات الأجهزة الذكية.
الوعي البيئي والمسؤولية المجتمعية
لا تكتمل متعة الرحلة دون الالتزام بالمسؤولية البيئة. وشدد «حمد الفجري» على مبدأ «اترك المكان أفضل مما كان»، موضحاً أن تنظيف الموقع وجمع المخلفات بعد انتهاء الرحلة هو سلوك حضاري وواجب وطني لضمان استدامة هذه المناطق الطبيعية للأجيال القادمة وللزوار الآخرين، مما يعكس وعياً متنامياً لدى الشباب السعودي بأهمية الحفاظ على البيئة.



