الماهود والدفة الأحسائية: كنوز تراثية تعود للواجهة بمهرجان البشت

في قلب محافظة الأحساء، وتحديداً بين جنبات قصر إبراهيم التاريخي، أعاد «مهرجان البشت الحساوي» في نسخته الثالثة عقارب الساعة إلى الوراء، كاشفاً النقاب عن كنوز نسيجية كادت أن تندثر. لم يقتصر الحدث على استعراض البشت الرجالي الشهير عالمياً فحسب، بل سلط الضوء بشكل غير مسبوق على «الدفة الأحسائية» النسائية، موثقاً رحلة تاريخية تمتد لعقود من الزمن، وتبرز مكانة الأحساء كعاصمة للحرف اليدوية ضمن شبكة المدن المبدعة في اليونسكو.
إحياء التراث في سياق عالمي
يأتي هذا الاهتمام المتزايد بالزي التراثي متناغماً مع الحراك الثقافي الذي تشهده المملكة العربية السعودية، حيث تحولت الأزياء التقليدية من مجرد ملابس قديمة إلى رموز للهوية الوطنية وعناصر جذب سياحي وثقافي. وتلعب هيئة التراث دوراً محورياً في هذا السياق، إذ يُعد مهرجان البشت الحساوي منصة حيوية لربط الأجيال الجديدة بجذورهم، وتعريف الزوار -محليين ودوليين- بمهارة الحرفي الأحسائي الذي طوع خيوط الذهب والفضة والحرير لتنسج قصصاً من الفخامة.
الدفة الأحسائية: أربعة أنواع تروي حكاية المجتمع
أوضح الباحث والمدرب المتخصص في البشت الحساوي، محمد الأمير، أن «الدفة» هو الاسم التاريخي الأصيل للعباءة في المنطقة، مشيراً إلى أن صناعتها لم تكن تقل عن صناعة البشت الرجالي دقةً وجودة، حيث كان يحيكها نفس الحرفيين المهرة. وقد كشف الباحث عن التقسيم الطبقي والاجتماعي الدقيق لهذه العباءات التي تميزت بها نساء الأحساء قديماً:
- المزوية: وهي عباءة الاستدامة الأولى، صُنعت من الصوف المحلي الغليظ لتناسب حياة البادية وذوي الدخل المحدود. تميزت بطولها المفرط لضمان توارثها من الأم لابنتها، مما يعكس وعياً مبكراً بمفهوم استدامة الموارد.
- الجِناع: زي الرفاهية اليومي للأسر الميسورة، يُحاك من الحرير صيفاً والصوف الناعم شتاءً، ويزدان بخيوط الزري والقيطان الكبير، مما يعكس المكانة الاجتماعية لمرتديها.
- السويعية: عباءة المناسبات الخاصة، ارتبطت بعائلات العروسين، وتميزت بتحول الزخارف والقيطان فيها إلى «عمايل» من الذهب الخالص، مما يجعلها قطعة استثمارية وجمالية في آن واحد.
- الماهود: وهو النوع الأندر والأفخم، ويُعد «أيقونة» العباءات الأحسائية. كان الماهود لباس العروس ليلة زفافها، واختفى عن المشهد منذ نحو 60 عاماً مع ظهور فستان الزفاف الأبيض.
الماهود: ثمنه يعادل 4 بشوت وقيمته اجتماعية
سلط المهرجان الضوء بشكل خاص على «الماهود»، الذي كان سعره قديماً يعادل تكلفة أربعة بشوت رجالية فاخرة، نظراً لكثافة خيوط الزري المستخدمة فيه ودقة حياكته. ولم تكن قيمة الماهود مادية فحسب، بل حملت بعداً إنسانياً عميقاً جسد صور التكافل الاجتماعي في «الفريج» الأحسائي؛ حيث كانت العائلات المقتدرة تعير هذه العباءة الثمينة لبنات الجيران في أفراحهن، مما خفف الأعباء المالية وعزز الروابط الاجتماعية.
مبادرات حديثة لدمج التراث بالحاضر
وفي سياق متصل، أكدت أفنان القحطاني، مديرة العلاقات العامة لمصنع الماهود التابع لجمعية فتاة الأحساء، أن الجهود الحالية لا تقف عند حدود العرض المتحفي، بل تتجاوزها إلى الإنتاج والتطوير. ويُعد المصنع إحدى ثمرات مبادرات أرامكو السعودية لدعم الحرف اليدوية، حيث يعمل وفق استراتيجية ثلاثية المسارات:
- إنتاج البشوت والعباءات التراثية بجميع أنواعها.
- تطوير خط منتجات عصرية (حقائب، ميداليات) مستوحاة من نقوش البشت.
- تنفيذ عقود الهدايا الفاخرة والطلبات الكبيرة.
وقد نجح المصنع في إعادة تقديم «الماهود» برؤية مبتكرة، حيث تم تخفيف وزنه وزيادة دقة حياكته ليتناسب مع ذائقة الجيل الحالي، مع الحفاظ على هويته الأصيلة، مما يضمن استمرار هذا الإرث الثقافي حياً ومواكباً لروح العصر.



