تلوث الهواء يرفع ضغط الدم لدى الأطفال: دراسة تحذر

كشفت دراسة علمية حديثة نشرتها الدورية المرموقة “Environmental Research”، المتخصصة في أبحاث البيئة، عن نتائج مقلقة تتعلق بتأثير العوامل البيئية على صحة الأجيال الناشئة. وأكدت الدراسة أن تعرض الأطفال لملوثات الهواء في مراحل عمرية مبكرة، وتحديداً خلال فترة الحمل والسنوات الأولى من العمر، يرتبط بشكل وثيق بزيادة مخاطر إصابتهم بارتفاع ضغط الدم عند وصولهم لسن الدراسة.
وفي التفاصيل، وجد الباحثون أن الجزيئات الدقيقة العالقة في الهواء (PM2.5) تمتلك قدرة فائقة على التسلل إلى داخل الجسم، ليس فقط بعد الولادة، بل حتى في مرحلة تكون الجنين داخل الرحم. وأوضحت النتائج أن هذه الجزيئات تؤثر سلباً في آليات تنظيم ضغط الدم لدى الطفل، مما يترك آثاراً طويلة المدى على صحة القلب والأوعية الدموية. وتُعد هذه الجزيئات المكون الرئيسي للضباب الدخاني الذي يغلف العديد من المدن الكبرى حول العالم، حيث تبين أن التعرض لها حتى بمعدلات ضئيلة قد يؤدي إلى أضرار صحية مزمنة.
السياق العالمي وأهمية الدراسة
تأتي هذه الدراسة في وقت يتزايد فيه القلق العالمي بشأن جودة الهواء، حيث تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن 99% من سكان العالم يتنفسون هواءً يتجاوز حدود الجودة الموصى بها. ويُعد تلوث الهواء حالياً أحد أكبر المخاطر البيئية على الصحة العامة، حيث لا يقتصر تأثيره على الجهاز التنفسي فحسب، بل يمتد ليشمل القلب والدماغ والنمو البدني للأطفال. وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ظل التوسع العمراني والزيادة المطردة في الأنشطة الصناعية وعوادم السيارات في الدول النامية والمتقدمة على حد سواء.
مخاطر ثاني أكسيد النيتروجين والاتجاهات المقلقة
من الجوانب المثيرة للاهتمام التي أظهرتها الدراسة، العلاقة المعقدة مع “ثاني أكسيد النيتروجين”؛ حيث لوحظ أن التعرض له، لا سيما في المراحل الأخيرة من الحمل، ارتبط بانخفاض جزئي في ضغط الدم لدى الأطفال، وهي نتيجة وصفها العلماء بأنها تحتاج إلى مزيد من البحث والتدقيق لفهم الآليات البيولوجية الكامنة وراءها.
ورأى الباحثون أن النتائج الإجمالية للدراسة تبعث على القلق الشديد، خاصة عند النظر إلى الإحصاءات التي تشير إلى أن معدلات إصابة الأطفال بارتفاع ضغط الدم قد قفزت بنسبة تقارب 80% خلال العقدين الماضيين. هذا الارتفاع الكبير لا يمكن عزوه فقط للعوامل الوراثية، بل يشير بوضوح إلى دور العوامل البيئية وتغير نمط الحياة.
منهجية البحث والتأثير المستقبلي
شملت الدراسة عينة واسعة ضمت أكثر من 4800 طفل تتراوح أعمارهم بين 5 و12 عاماً. وقام الفريق البحثي بقياس معدلات ضغط الدم لديهم بدقة، ومقارنتها ببيانات جودة الهواء ومدى تعرضهم للتلوث خلال فترات الحمل وأول عامين من حياتهم. ويحذر الخبراء من أن استمرار تعرض الأطفال لهذه الملوثات قد يؤدي إلى جيل يعاني من أمراض قلبية مبكرة، مما يضع أعباءً صحية واقتصادية هائلة على الأنظمة الصحية مستقبلاً، وهو ما يستدعي تحركاً عاجلاً لسن تشريعات بيئية أكثر صرامة لحماية الفئات الأكثر ضعفاً.



