الصحة النفسية 2024: 700 ألف مراجع واضطرابات المزاج تتصدر
كشفت وزارة الصحة السعودية عن قفزة نوعية في مؤشرات الأداء للخدمات العلاجية النفسية، حيث أظهرت الإحصائيات الرسمية استقبال المستشفيات والعيادات المتخصصة لنحو 698,772 مراجعاً لأقسام الصحة النفسية خلال عام 2024م. وتأتي هذه الأرقام لتعكس حجم التحول الكبير في منظومة الرعاية الصحية بالمملكة، وتنامي الوعي المجتمعي بأهمية العلاج النفسي.
السياق العام: تحولات الرعاية النفسية في ضوء رؤية 2030
لا يمكن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن التحولات الجذرية التي يشهدها القطاع الصحي في المملكة العربية السعودية ضمن مستهدفات «رؤية 2030» وبرنامج «جودة الحياة». ففي السابق، كانت الوصمة الاجتماعية تشكل حاجزاً كبيراً أمام طلب المساعدة النفسية، إلا أن الجهود التوعوية المكثفة وتسهيل الوصول للخدمات عبر مراكز الرعاية الأولية والتطبيقات الرقمية ساهمت في كسر هذا الحاجز. ويُعد ارتفاع أعداد المراجعين مؤشراً إيجابياً على نجاح استراتيجيات الوزارة في تعزيز الصحة النفسية وجعلها جزءاً لا يتجزأ من الصحة العامة.
تفاصيل المؤشرات: اضطرابات المزاج في الصدارة
أوضحت البيانات التفصيلية أن «اضطرابات المزاج» (الوجدانية) تصدرت قائمة التشخيصات الطبية الأكثر شيوعاً، حيث سجلت 190,608 مراجعين. ويعكس هذا الرقم الطبيعة العالمية لانتشار اضطرابات المزاج مثل الاكتئاب والاضطراب الوجداني ثنائي القطب، والحاجة الماسة لتوفير دعم نفسي مستمر لهذه الفئة لضمان استقرارهم الوظيفي والاجتماعي.
وفي دلالة واضحة على الالتزام بالخطط العلاجية، شكل المراجعون «المترددون» (متابعة دورية) النسبة الأكبر بواقع 561,340 مراجعاً، مقابل 137,432 مراجعاً جديداً، مما يشير إلى ثقة المستفيدين في الخدمات المقدمة وفعالية برامج المتابعة طويلة الأمد.
الحالات الحرجة وتحديات التنويم
على صعيد الحالات التي استدعت تدخلاً طبياً مكثفاً داخل المستشفيات، رصدت الوزارة تنويم 23,698 حالة، وفقاً للتصنيف الدولي للأمراض «ICD-10». وهنا تبرز مفارقة طبية هامة؛ فرغم أن «اضطرابات الفصام» جاءت في المرتبة الثانية من حيث عدد مراجعي العيادات الخارجية (171,731 مراجعاً)، إلا أنها احتلت المركز الأول في حالات «التنويم» بواقع 7,984 حالة. يُعزى ذلك إلى الطبيعة المزمنة والمعقدة لمرض الفصام الذي قد يتطلب فترات من الرعاية السريرية المكثفة للسيطرة على الأعراض الحادة.
أنماط أخرى وتحديات المستقبل
في المرتبة الثالثة لزيارات العيادات، حلت الاضطرابات العصابية والمرتبطة بالكرب (التوتر والضغط النفسي) بإجمالي 123,882 حالة، إلا أن نسبة التنويم فيها كانت منخفضة (1,859 حالة)، مما يؤكد إمكانية علاج معظم هذه الحالات بفعالية عبر العيادات الخارجية وجلسات العلاج السلوكي.
كما أظهرت الإحصائيات تحديات نوعية تتمثل في الاضطرابات الناتجة عن استخدام المواد المؤثرة عقلياً، والتي سجلت حضوراً لافتاً في أجنحة التنويم بالمرتبة الثالثة (4,387 حالة)، مما يبرز أهمية التكامل بين خدمات الصحة النفسية وبرامج علاج الإدمان.
ختاماً، تؤكد هذه الإحصائيات أن المملكة تسير بخطى ثابتة نحو بناء نظام صحي نفسي متكامل، يركز على الوقاية، والتدخل المبكر، واستمرارية العلاج، بما يضمن حياة صحية ومنتجة لجميع أفراد المجتمع.



