تطوير العمل الوقفي: 6 شراكات استراتيجية لخدمة الحجاج

برعاية صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز آل سعود، نائب أمير منطقة مكة المكرمة، دشنت غرفة مكة المكرمة مركز الأوقاف المكية والندوة العلمية المصاحبة تحت عنوان “الأوقاف المكية في خدمة ضيوف الرحمن”. ويأتي هذا الحدث البارز في إطار السعي المستمر نحو تطوير العمل الوقفي لتقديم أفضل الخدمات لزوار بيت الله الحرام، بمشاركة نخبة من أصحاب المعالي والفضيلة والمسؤولين والمهتمين بالقطاع الوقفي والاستثماري في المملكة.
الجذور التاريخية للأوقاف في مكة المكرمة
تمتلك مكة المكرمة إرثاً تاريخياً عريقاً في مجال الأوقاف الإسلامية، حيث شكلت الأوقاف عبر العصور الركيزة الأساسية لتأمين احتياجات الحجاج والمعتمرين. وأوضح رئيس مجلس أمناء مركز الأوقاف المكية، الدكتور أسامة بن فضل البار، أن المركز يمثل امتداداً لهذه المكانة التاريخية العظيمة. ويهدف المركز إلى إبراز الإرث الوقفي المكي وتحويله إلى معرفة مؤسسية تسهم في نشر ثقافة الوقف ودعم الأبحاث العلمية الرصينة.
وقد استعرضت الندوة في جلستها الأولى، التي أدارها الأستاذ الدكتور عدنان بن عباس عدس، خمس أوراق علمية تناولت تطور الأوقاف المائية والسكنية. حيث تطرق الأستاذ الدكتور عمر بن سراج أبو رزيقة إلى “الأوقاف المائية وسقاية الحجاج” متخذاً من مشروع “عين زبيدة” التاريخي نموذجاً رائداً للاستدامة المائية. كما تناول الأستاذ الدكتور حسين بن عبدالعزيز شافعي تاريخ الأربطة الوقفية التي بلغت 46 رباطاً مخصصاً لإيواء الحجاج، بينما استعرض الدكتور عبدالله بن عويض العتيبي تطور نظام الرفادة منذ عهد قصي بن كلاب وصولاً إلى مأسسته الحديثة.
رؤية المملكة 2030 وأثرها في تطوير العمل الوقفي
في العصر الحديث، يشهد القطاع الوقفي نقلة نوعية تتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، لا سيما برنامج خدمة ضيوف الرحمن. وأكد محافظ الهيئة العامة للأوقاف، الأستاذ عماد بن صالح الخراشي، أن الهيئة تتبنى استراتيجيات طموحة تهدف إلى تمكين المناطق وتنمية أوقافها من خلال الحوكمة الرقمية ورفع كفاءة الاستثمار الوقفي. إن تطوير العمل الوقفي لم يعد مجرد مبادرات فردية، بل تحول إلى منظومة مؤسسية متكاملة تجمع الواقفين والخبراء لتعظيم الأثر التنموي المستدام.
وفي هذا السياق، قدم الدكتور عبدالله سيدي الطارقي ورقة حول “الأوقاف في طرق الحج” مقترحاً دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي لتأمين مسارات الحجاج وتوفير الإيواء والإطعام بشكل ذكي ومستدام، مما يعكس التأثير الإقليمي والدولي الكبير للجهود السعودية في رعاية ضيوف الرحمن.
نماذج معاصرة وشراكات استراتيجية واعدة
شهدت الندوة استعراض تجارب وطنية رائدة في الجلسة الثانية التي أدارها الدكتور فؤاد بن صدقة مرداد. حيث عرض الدكتور سالم بن علي آل خازم تجربة مؤسسة الأمير متعب بن عبدالعزيز الأهلية في مشروع “مبرة منى” الذي وفر أكثر من 24 مليون لتر من المياه المبردة عبر شبكة نقل عملاقة. كما قدم الأستاذ نايف بن عبدالمحسن الراجحي تجربة شركة الراجحي الخيرية التي مكنت أكثر من 40 ألف مسلم جديد من أداء الفريضة.
ومن الناحية البيئية، استعرضت الدكتورة عفاف محمد الجلال تجربة مؤسسة عبدالرحمن عبدالقادر فقيه في التلطيف المناخي والتشجير، والتي أسهمت في خفض حالات الإجهاد الحراري بين الحجاج بنسبة 74.6%. واختتم الأستاذ عمار صالح الوهيبي الجلسة باستعراض نموذج التكامل لمؤسسة نسك الإنسانية التي تضم أكثر من 800 منظمة و75 ألف متطوع.
ولتعزيز هذا التكامل، تم توقيع 6 اتفاقيات شراكة استراتيجية بين مركز الأوقاف المكية وجهات مانحة وأكاديمية بارزة، منها الهيئة العامة للأوقاف، وأوقاف الأميرة صيتة بنت عبدالعزيز، ومؤسسة السبيعي الأهلية، ومؤسسة الضويان الأهلية، وأوقاف جامعة أم القرى، والوقف العلمي بجامعة الملك عبدالعزيز.
الابتكار الوقفي واستشراف مستقبل الخدمات
اختتمت الندوة أعمالها بالجلسة الرئيسة “الابتكار الوقفي في خدمة ضيوف الرحمن” برئاسة معالي الشيخ سعد بن ناصر الشثري، المستشار في الديوان الملكي. واستعرض معالي الأستاذ مساعد بن عبدالعزيز الداود، أمين العاصمة المقدسة، المبادرات المجتمعية للأمانة ودورها في أنسنة الخدمات وتحسين جودة الحياة بمكة المكرمة عبر مبادرات مثل “وطهر بيتي”.
كما ناقش الأستاذ سعد الوابل مشروع المملكة للإفادة من الهدي والأضاحي كنموذج مؤسسي عالمي، وطرح المهندس غازي ظافر الشهري أهمية الأوقاف التخصصية في تلبية الاحتياجات التنموية المتجددة. واختتم الأستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد نور سلطان الندوة بمقترح مبتكر لإنشاء مسارات مشاة مكيفة تعتمد على السيور الميكانيكية لتسهيل تنقل الحجاج في المشاعر المقدسة.



