التراث والثقافة

متحف البحر الأحمر يوثق تاريخ الملاحة الإسلامية بأدوات نادرة

يكشف متحف البحر الأحمر في منطقة جدة التاريخية “البلد” جانبًا استثنائيًا ومهمًا من الإرث الملاحي الإسلامي، وذلك من خلال احتضانه لمجموعة فريدة من أدوات الملاحة النادرة مثل مؤشرات القبلة، البوصلات، والمزاول التاريخية. وتجسد هذه المقتنيات الأثرية ما وصلت إليه الحضارة الإسلامية من دقة علمية فائقة وإتقان حرفي في صناعة أدوات الملاحة البحرية، والتي لعبت دورًا محوريًا في خدمة البحارة، التجار، وحجاج بيت الله الحرام عبر قرون طويلة من الزمن.

تاريخ الملاحة الإسلامية في أروقة متحف البحر الأحمر

تاريخياً، شكل البحر الأحمر شريان الحياة التجاري والديني الرابط بين قارات العالم القديم. ومع ظهور الإسلام واتساع رقعة الدولة الإسلامية، تزايدت الحاجة إلى تطوير وسائل ملاحة دقيقة لتسهيل حركة قوافل الحجاج القادمة من شتى بقاع الأرض نحو مكة المكرمة والمدينة المنورة، بالإضافة إلى تنشيط حركة التجارة البحرية. وقد برع العلماء المسلمون في تطوير علم الفلك البحري، مستفيدين من حركة النجوم والشمس، وهو ما يظهر جلياً في المعروضات التي يقدمها المتحف اليوم، والتي تمتد تاريخياً بين القرنين السابع عشر والعشرين الميلاديين لتبرز التطور التقني التدريجي في أدوات التوجيه والقياس.

مقتنيات نادرة تجسد التكامل بين العلم والدين

يضم المتحف ما يزيد على 20 أداة ملاحية نادرة، يعود تاريخ بعضها إلى أكثر من 400 عام. وتتميز هذه القطع الفريدة بنقوشها البديعة التي تشتمل على آيات قرآنية، وصيغ الأذان، والأدعية الدينية، مما يعكس بوضوح التكامل الوثيق بين المعرفة العلمية والبعد الروحي في الحضارة الإسلامية. وصُنعت هذه الأدوات من خامات متنوعة وعالية الجودة مثل النحاس المطلي بالذهب، الفضة، الخشب المطلي بالورنيش، العاج، والزجاج.

ومن أبرز المعروضات مؤشر قبلة وبوصلة يعودان إلى القرن التاسع عشر الميلادي، وتتزين واجهتهما بخريطة دقيقة للبحر الأحمر ومدنه الساحلية، بالإضافة إلى رسم مجسم للكعبة المشرفة. وتوضح هذه المعروضات كيف اعتمد الرحالة والحجاج على البوصلة المغناطيسية والأقراص الإرشادية لتحديد اتجاه مكة المكرمة من مختلف المدن والبحار، مما مكنهم من أداء عباداتهم بدقة أثناء السفر والتنقل، إلى جانب استخدام المزاول الشمسية لتحديد مواقيت الصلاة بدقة متناهية.

تأثير ثقافي ممتد ومستهدفات رؤية المملكة 2030

لا تقتصر أهمية هذه المعروضات على قيمتها التاريخية فحسب، بل تمتد لتشكل جسراً معرفياً يربط الأجيال الحالية بأمجاد الماضي الملاحي العريق. محلياً، يسهم هذا التوثيق في دعم جهود وزارة الثقافة السعودية لإحياء منطقة جدة التاريخية وإدراجها كوجهة ثقافية وسياحية عالمية تماشياً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030. وإقليمياً ودولياً، يسلط المتحف الضوء على الدور الريادي الذي لعبته المنطقة العربية والإسلامية في تسهيل حركة التجارة العالمية والتواصل الحضاري بين الشعوب، مما يعزز من مكانة المملكة كمركز إشعاع ثقافي وحضاري يربط بين القارات الثلاث.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى