الذكاء الاصطناعي ومرض السكري: تحليل دقيق لمخاطر الوفاة

يشهد القطاع الطبي تحولاً جذرياً بفضل التطورات المتسارعة في تقنيات المعلومات، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد خوارزميات مجردة أو مفاهيم نظرية، بل تحول إلى أداة سريرية عملية تعزز من قدرة الأطباء على اتخاذ القرارات المصيرية. وفي هذا السياق، حقق علماء معهد بيولوجيا الشيخوخة بجامعة "لوباتشيفسكي" الروسية إنجازاً طبياً لافتاً بتطوير نموذج متقدم قائم على الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير، يهدف إلى التنبؤ بمخاطر الوفاة لدى مرضى السكري بدقة غير مسبوقة.
دراسة ممتدة ونتائج دقيقة
استند هذا الابتكار العلمي إلى دراسة بحثية معمقة شملت مراقبة دقيقة لمؤشرات الجسم الحيوية لأكثر من 550 مريضاً مصاباً بالسكري على مدى فترة زمنية طويلة وصلت إلى 17 عاماً. وأوضح ميخائيل إيفانشينكو، مدير معهد أبحاث بيولوجيا الشيخوخة، أن القيمة الحقيقية لهذا البحث لا تكمن فقط في التنبؤ، بل في "قابلية التفسير"؛ حيث تتيح الأداة الجديدة للأطباء فهم الأسباب الكامنة وراء التنبؤات من خلال تحليل العلاقات المتبادلة والمعقدة بين عشرات المعايير الصحية الخاصة بكل مريض.
خرائط مخاطر شخصية تتجاوز التحليل التقليدي
أظهرت النتائج أن عوامل مثل عمر المريض، ومدة الإصابة بالمرض، وعدد المضاعفات المتراكمة، تشكل أقوى مؤشرات الخطر. وما يميز هذا النهج التقني هو قدرته على رسم "خريطة مخاطر شخصية" لكل مريض على حدة. فعلى سبيل المثال، يمكن للنظام توضيح أن ارتفاع خطر الوفاة بنسبة معينة (مثل 68%) لدى مريض محدد يعود بشكل رئيسي إلى مزيج من ارتفاع الكرياتينين، والتقدم في العمر، ووجود أربعة مضاعفات سكرية محددة، مما ينقل العلاج من التعميم إلى التخصيص الدقيق.
مؤشرات بيولوجية خفية يكشفها الذكاء الاصطناعي
سلط البحث الضوء على أهمية مؤشرات بيولوجية لم تكن تحظى بالتركيز الكافي سابقاً في التقييم الروتيني، ومن أبرزها:
- هرمون الببتيد الدماغي للصوديوم (NT-proBNP): الذي يعمل كمرآة تعكس الإجهاد الخفي الذي قد تتعرض له عضلة القلب.
- مستويات الكرياتينين: التي تعد مؤشراً حيوياً لكفاءة عمل الكلى.
- هيكل N-جليكان في مصل الدم: والذي تم تحديده كمؤشر حيوي هام لعمليات التنظيم المناعي والشيخوخة البيولوجية.
السياق العالمي وأهمية الابتكار
يأتي هذا التطور في وقت يواجه فيه العالم تحديات صحية متزايدة مع ارتفاع معدلات الإصابة بمرض السكري عالمياً، مما يضع أعباءً ثقيلة على أنظمة الرعاية الصحية. تكمن أهمية هذا النموذج الروسي في قدرته على الانتقال بالطب من مرحلة "رد الفعل" وعلاج الأعراض، إلى مرحلة "الطب الاستباقي" والوقائي. فمن خلال الكشف المبكر عن المخاطر الخفية، يمكن للأطباء التدخل قبل تفاقم الحالة، مما قد يسهم في خفض معدلات الوفيات وتحسين جودة حياة ملايين المرضى حول العالم.



