البرنامج الصحي التطوعي في الحج: قصص ملهمة لخدمة الحجاج

شهد موسم الحج هذا العام تجسيداً حياً لأسمى قيم العطاء الإنساني، حيث شارك مئات الشباب السعودي في البرنامج الصحي التطوعي في الحج بنسخته الثامنة عشرة. هذا البرنامج الذي تنظمه الجمعية الخيرية للرعاية الصحية الأولية (درهم وقاية) بإشراف مباشر من وزارتي الصحة والحج والعمرة، بالإضافة إلى التجمع الصحي بمكة المكرمة، يمثل علامة فارقة في تقديم الخدمات الإسعافية والطبية لضيوف الرحمن، مسجلاً قصصاً إنسانية ملهمة ومواقف لا تُنسى في أطهر بقاع الأرض.
تاريخ ممتد لـ البرنامج الصحي التطوعي في الحج وخدمة ضيوف الرحمن
لطالما كانت خدمة الحجيج شرفاً تتوارثه الأجيال في المملكة العربية السعودية، حيث تسخر الدولة كافة إمكاناتها البشرية والمادية لضمان سلامة الحجاج. ومع إطلاق رؤية المملكة 2030، حظي العمل التطوعي باهتمام غير مسبوق بهدف الوصول إلى مليون متطوع مساهم في التنمية الوطنية. ويأتي البرنامج الصحي التطوعي في الحج كأحد الروافد الأساسية لتحقيق هذه المستهدفات الطموحة، حيث يتيح للكوادر الطبية الشابة من مختلف الجامعات والكليات الصحية بالمملكة فرصة تقديم الرعاية الميدانية المباشرة، مما يعزز من جودة الخدمات الصحية المقدمة للحجاج ويساند المنظومة الصحية الرسمية خلال هذا التجمع البشري الأكبر عالمياً.
أثر محلي ودولي يعزز ريادة المملكة الصحية
لا تقتصر أهمية هذه المبادرات التطوعية على تقديم الإسعافات الأولية فحسب، بل تمتد لتشكل نموذجاً يحتذى به دولياً في إدارة الحشود والرعاية الصحية الطارئة. يسهم المتطوعون في تخفيف الضغط على المستشفيات والمراكز الصحية بالمشاعر المقدسة، مما يضمن سرعة الاستجابة للحالات الطارئة مثل الإجهاد الحراري والتعب البدني. هذا الأثر الإيجابي ينعكس على سلامة الحجاج القادمين من شتى بقاع الأرض، ليعودوا إلى بلدانهم حاملين رسالة سلام وتقدير للجهود السعودية الإنسانية، مما يعزز الصورة الذهنية المشرقة للمملكة عالمياً كقائدة للعمل الإنساني والتطوعي.
مواقف إنسانية سطرها أبطال الميدان في المشاعر المقدسة
ضم البرنامج هذا العام 710 متطوعين ومتطوعات شكلوا 115 فرقة ميدانية انتشرت في المواقع الحيوية بالمشاعر المقدسة. وقد خرج هؤلاء الأبطال بخبرات عملية وقصص إنسانية تفيض بالرحمة والعطاء.
يروي المتطوع عبدالمجيد الشامي، طالب السنة الرابعة بكلية الطب بجامعة أم القرى، قصة لا تغيب عن ذاكرته؛ حيث صادف على جسر الجمرات حاجة منهكة تماماً بسبب الإجهاد الحراري. بادر الشامي بإسعافها ورش الماء البارد لتخفيف حرارة جسدها، لترفع يديها بالدعاء له بدموع التأثر، وهي دعوة يؤكد أنها لا تفارق مسمعه حتى اليوم، موصياً المتطوعين الجدد باحتساب الأجر الخالص لله.
أما عبدالمجيد آل مشلوي، القادم من جامعة الملك خالد بأبها والمتخصص في الطب والجراحة، فيصف مشاعر الفرح الغامر بقبوله في البرنامج. ويستذكر موقفاً لحاجة وصلت للمركز الصحي تعاني من وهن شديد، وعند سؤالها تبين أنها لم تتناول أي طعام منذ الصباح. سارع آل مشلوي لإحضار وجبة لها من مطبخ الإعاشة، ليتبدل حالها فوراً، مما علمه أن الرحمة والإنسانية هما جوهر الممارسة الطبية.
ومن جانبه، خاض مصعب النعمي، طالب الطب من منطقة عسير، تجربته الثالثة كقائد لإحدى الفرق الميدانية. يروي النعمي قصة حاجة عجزت عن المشي بسبب جروح بالغة في قدميها نتيجة السير الطويل بدون حذاء مناسب. قام بإسعافها وتهدئة روعها وطلب من ابنها التريث وعدم الضغط عليها، مما دفعها للبكاء والدعاء له بحرارة أمام هذا الحرص الإنساني النبيل.
عطاء بلا حدود ودعوات بكل لغات العالم
لم يقتصر العطاء على الطلاب، بل تميزت الطبيبات والأخصائيات بتقديم أروع الأمثلة. الأخصائية هيفاء زمزمي، المتخصصة في العلاج الطبيعي من جامعة أم القرى، تشارك للمرة الخامسة في خدمة الحجيج. وتؤكد أن الدعم اللوجستي والتدريب المكثف الذي وفره القائمون على البرنامج ساهم في تمكينهم من أداء مهامهم بتركيز عالٍ. وتستذكر هيفاء حاجة كانت تعاني من انتفاخات شديدة في قدميها، وبعد تقديم العلاج الطبيعي والإسعافي لها لمدة ساعة، قامت الحاجة باحتضانها والدعاء لها في موقف مؤثر للغاية.
وفي ذات السياق، تعبر نوف الجهني، طالبة الأشعة بجامعة نجران، عن فخرها باصطفاء الله لها لخدمة ضيوف الرحمن. وتصف نوف كيف أن دعوات الحجاج بمختلف لغاتهم وأعراقهم كانت كفيلة بإزالة كل مشاعر التعب والإرهاق والبعد عن الأهل خلال أيام العيد، مما يمنح المتطوعين طاقة إيجابية متجددة لمواصلة العطاء بكل حب وإخلاص.



