تحديات توظيف الصم في سوق العمل السعودي وكيفية التغلب عليها

على الرغم من تسلحهم بمؤهلات أكاديمية وتخصصات علمية دقيقة، لا يزال الكثير من الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية يواجهون تحديات معقدة في اختراق سوق العمل. وتبرز أزمة حقيقية في ملف توظيف الصم تتمثل في افتقار بعض جهات التوظيف في القطاع الخاص إلى الآليات المناسبة لاكتشاف مهارات الموظفين الصم واستثمارها بالشكل الأمثل بعد إتمام عملية التعيين.
تاريخ أسبوع الأصم العربي وأهميته في توظيف الصم
لتسليط الضوء على هذه التحديات، انطلقت فعاليات أسبوع الأصم العربي الحادي والخمسين، وهو حدث يحمل إرثاً تاريخياً يمتد منذ عام 1974 حين أطلقه الاتحاد العربي للهيئات العاملة مع الصم. يُعد هذا الأسبوع السنوي، الذي يُقام في الأسبوع الأخير من شهر أبريل، منصة حيوية للتوعية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية. وقد نظمت الجمعية السعودية للإعاقة السمعية بالمنطقة الشرقية، بالتعاون مع مؤسسة «سعي» لتأهيل وتوظيف الأشخاص ذوي الإعاقة، فعاليات هذا العام في مركز الأمير سلطان للعلوم والتقنية «سايتك» بمدينة الخبر، تحت شعار استراتيجي يحمل دلالة عميقة: «المسار الوظيفي للأصم: من الحقوق إلى الواجبات لحياة أفضل».
تتجاوز أهمية هذا الحدث البعد المحلي لتلامس أبعاداً إقليمية ودولية؛ فعلى الصعيد الدولي، ينسجم الحدث مع الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي تؤكد على حق العمل اللائق. وإقليمياً، يعزز التضامن العربي في تبادل الخبرات لدمج الصم. أما محلياً، فيشكل هذا الحراك رافداً أساسياً لمستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تنص صراحة على تمكين ذوي الإعاقة، وتحقيق تكافؤ الفرص، وتحويلهم إلى طاقات منتجة تساهم في الاقتصاد الوطني.

تحديات ميدانية وفجوة حقيقية في بيئة العمل
شهدت الفعاليات إطلاق مسارات عملية لتمكين الصم، شملت استقبال طلبات التوظيف المباشرة، وتوقيع اتفاقيات شراكة بين الجمعية السعودية للإعاقة السمعية وشركات محلية لتعزيز الإرشاد والتدريب المهني. وفي هذا السياق، يضع المعلم الأصم عبد الرحمن الحمود، وهو من خريجي الدفعة الأولى بتخصص تعليم الصم بجامعة الملك سعود، يده على الجرح في قضية التوظيف.
عبدالرحمن الحمود
وأوضح الحمود أنه يُعد، مع شقيقته، من أوائل المعلمين الصم في هذا المجال، معبراً عن فخره بهذه التجربة التي تحمله مسؤولية مضاعفة في إثبات القدرات والكفاءات. وأشار إلى وجود فجوة واضحة في سوق العمل؛ حيث توفر بعض الجهات فرصاً وظيفية للصم، لكنها تعجز لاحقاً عن توظيف قدراتهم الحقيقية لانعدام آليات التقييم والتواصل الفعال في بيئة العمل. وشدد على أن طموحات الأشخاص الصم تتماشى تماماً مع رؤية 2030، مؤكداً أن الفارق الوحيد بينهم وبين غيرهم هو حاسة السمع، بينما الإمكانات لا تختلف.
جهود مؤسسية لسد النقص وتهيئة البيئات المهنية
وفي مواجهة هذه الفجوة التنظيمية، تقود الجمعية السعودية للإعاقة السمعية بالمنطقة الشرقية جهوداً مكثفة لسد النقص وتهيئة البيئات المهنية لدمج المستفيدين. وأكدت مديرة الجمعية، أروى الدوسري، أن الجهود تتجاوز الدعم المالي واللوجستي، كصرف السماعات الطبية، لتصل إلى صلب التمكين الوظيفي.
أروى الدوسري
وبيّنت الدوسري أن الجمعية تستقبل طلبات التوظيف وتسعى لربطها بالفرص المناسبة، بالتوازي مع تقديم دورات مكثفة في لغة الإشارة للجهات الحكومية والخاصة لتسهيل تواصلها مع الموظفين الصم. وذكرت أن لغة الإشارة تُعد سهلة وبسيطة في تعلمها لاعتمادها على الوصف والتعبير البصري، مما يسهل اكتسابها ويساعد المجتمع على تعلمها لخدمة الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية.
التأهيل الاستباقي لمواجهة متطلبات سوق العمل
تتفق هذه الرؤية مع خطط عضو مجلس إدارة الجمعية، خالد الحمود، الذي يرى في أسبوع الأصم العربي منصة استراتيجية لتحسين جودة حياة هذه الفئة عبر التركيز على التدريب. وكشف الحمود عن تنظيم ورش عمل استباقية ركزت على تشخيص التحديات المرتبطة بالمسار الوظيفي، بهدف إعداد المستفيدين وتأهيلهم لمواجهة متطلبات سوق العمل الفعلية.
خالد الحمود
ولفت إلى أن الجمعية تعمل على هندسة اتفاقيات مشروطة مع مؤسسات القطاع الخاص، تضمن تقديم برامج تأهيلية للصم مقابل التزام هذه الجهات بتوفير وظائف مستدامة تتناسب مع كفاءاتهم. وأشار إلى أن عدداً من الصم يحملون مؤهلات متنوعة في الحاسب الآلي والدبلومات المهنية، وتعمل الجمعية على بناء شراكات لضمان جاهزيتهم واستقلالهم المهني، بما في ذلك دعم المشاريع متناهية الصغر.
كسر عزلة الصم وبناء الشخصية القيادية
أوضحت مريم العسيري، من جمعية البناء للتأهيل المهني للأشخاص ذوي الإعاقة، أن مسارات التدريب تمتد لتشمل الحرف اليدوية، كصناعة الشموع والفخار والصابون والريزين. وأكدت أن المستفيدين يخضعون لبرامج مهنية تستمر ثلاثة أشهر، لتنتهي إما بتوظيفهم أو منحهم الدعم اللوجستي لإطلاق مشاريعهم الخاصة، واصفة تجربة العمل مع الصم بأنها «سلسة وبسيطة».
مريم العسيري
وعلى الجانب الموازي للتوظيف، يبرز دور الأندية المتخصصة في كسر عزلة الصم وبناء شخصياتهم القيادية. وأفاد الرئيس التنفيذي لنادي الصم بالمنطقة الشرقية، حمود الهمامي، أن النادي الذي تأسس عام 2001، لا يكتفي بالمنافسات الرياضية، بل يمتد إلى تفعيل الأنشطة الثقافية والاجتماعية لصقل مهارات الأعضاء، مما ينعكس إيجاباً على أدائهم المهني لاحقاً.
حمود الهمامي
وفي ختام الفعاليات، عبّرت أبرار العتيبي عن تجربتها الإنسانية، مؤكدة أن تعلمها لغة الإشارة بدأ كحاجة وظيفية للتواصل مع زميلاتها الصم، وانتهى بشغف أضاء لها جوانب إنسانية عميقة. وأكدت أن لغة الإشارة قادرة على التقريب بين الناس بشكل مذهل، متمنية اتساع دائرة تعلمها لاكتشاف المهارات الدفينة التي يمتلكها الأشخاص الصم وتنتظر فرصتها للظهور.



