وفاة محمد علي حافظ.. رائد الصحافة السعودية والدولية

فقدت الساحة الإعلامية السعودية والعربية، يوم الأحد، واحداً من أبرز روادها وصناعها، بوفاة الناشر والإعلامي القدير محمد علي حافظ، عميد أسرة آل حافظ. رحل الفقيد بعد مسيرة مهنية طويلة وحافلة بالعطاء، أسهم خلالها في وضع اللبنات الأساسية لتأسيس وتطوير مؤسسات إعلامية كبرى شكلت محطات فارقة في تاريخ الصحافة السعودية والعربية والدولية.
النشأة والبدايات: بيئة صحفية شكلت الوجدان
وُلد الراحل في المدينة المنورة عام 1356هـ الموافق 1937م، وهو توقيت تزامن مع صدور العدد الأول من جريدة “المدينة” التي أصدرها وحررها والده علي حافظ وعمه عثمان حافظ. نشأ في بيئة تشبعت بحب الكلمة المطبوعة، مما ربطه مبكراً بعالم الصحافة. تلقى تعليمه الأساسي في المملكة العربية السعودية، ثم نال منحة دراسية إلى مصر، حيث درس الصحافة في جامعة القاهرة وحصل على درجة الليسانس.
خلال فترة دراسته، صقل مهاراته بالعمل في “مطبعة الرائدين”، وتدرب عملياً في أروقة “دار أخبار اليوم” العريقة تحت إشراف الكاتب الصحفي المصري الراحل مصطفى أمين. عاد إلى المملكة عام 1960م لينضم إلى وزارة الإعلام، ليبدأ رحلة مهنية غيرت وجه الصحافة.
تأسيس الصحافة الحديثة والانتقال للعمل المؤسسي
في الفترة ما بين 1960 و1964م، تولى رئاسة تحرير جريدة “المدينة” بالاشتراك مع شقيقه الراحل هشام حافظ. في تلك الحقبة التاريخية، شهدت المملكة انتقال الصحافة من مرحلة صحافة الأفراد إلى نظام المؤسسات الصحفية، وكان للراحل دور محوري في هذه النقلة النوعية. عمل الشقيقان على تطوير الجريدة وتعزيز حضورها، مما مهد الطريق لاحقاً لتأسيس “الشركة السعودية للأبحاث والنشر”، والتي أصبحت واحدة من أكبر المجموعات الإعلامية في الشرق الأوسط. هذا التطور التاريخي لم يكن مجرد تغيير إداري، بل كان ترسيخاً لصناعة إعلامية قادرة على مواكبة التطورات السياسية والاقتصادية التي كانت تشهدها المملكة.
بصمة محمد علي حافظ في الإعلام الدولي والإقليمي
يُعد محمد علي حافظ من الشخصيات الاستثنائية التي أدركت مبكراً أهمية مخاطبة العالم الخارجي. ففي عام 1975م، ومع الطفرة الاقتصادية الكبرى في المملكة، شارك مع شقيقه في تأسيس صحيفة “عرب نيوز” (Arab News)، لتصبح أول صحيفة يومية تصدر باللغة الإنجليزية في السعودية. كان الهدف الاستراتيجي منها تقديم الصوت السعودي للعالم ونقل الصورة الحقيقية للمجتمع للمقيمين والمهتمين بالشأن السعودي، حيث قاد العمل التحريري فيها ببراعة ووسع من تأثيرها.
لم يتوقف طموحه عند هذا الحد، بل تولى عام 1976م منصب المدير العام للمدينة المنورة للطباعة والنشر. وتوج مسيرته بالمشاركة في تأسيس ورئاسة تحرير صحيفة “الشرق الأوسط” في لندن، والتي تُعد أول صحيفة عربية دولية. أحدثت الصحيفة ثورة في مفهوم النشر الإقليمي من خلال طباعتها في عدة مدن عالمية في وقت واحد عبر تقنية الأقمار الصناعية، مما جعلها مرجعاً سياسياً وثقافياً موثوقاً للقارئ العربي أينما كان.
إرث ثقافي ودعم مستمر للأجيال الشابة
عُرف الراحل بسيرته المهنية الثرية وعلاقاته الواسعة والممتدة في الأوساط الثقافية والسياسية والاجتماعية. لم يكن مجرد ناشر أو رئيس تحرير، بل كان موجهاً وداعماً مستمراً للأجيال الصحفية الشابة، حيث فتح أبواب مؤسساته لتدريب وتأهيل الكوادر الوطنية التي تقود المشهد الإعلامي اليوم. إن اهتمامه البالغ بالشأن الثقافي والإعلامي أكسبه مكانة رفيعة واحتراماً كبيراً بين الإعلاميين والمثقفين العرب. برحيله، تطوى صفحة مضيئة من تاريخ الإعلام، لكن الأثر الذي تركه في صناعة الصحافة سيبقى مرجعاً تنهل منه الأجيال القادمة.


