أخبار السعودية

مخاطر إهمال البيئة النفسية للعمل وتأثيرها على الموظفين

في ظل التحولات السريعة التي يشهدها سوق العمل العالمي، تتجه الأنظار بشكل متزايد نحو تطوير بيئات العمل وتعزيز سلامة العاملين. وفي هذا السياق، يبرز محور البيئة النفسية للعمل كأحد أهم الملفات التي تتصدر أجندة اليوم العالمي للسلامة والصحة المهنية لعام 2026. هذا التحول اللافت يعكس إدراكاً عالمياً متزايداً بأن المخاطر المهنية لم تعد محصورة في الجوانب الفيزيائية أو الكيميائية فقط، بل امتدت لتشمل الأبعاد النفسية والاجتماعية التي تؤثر بشكل مباشر وحاسم على أداء العاملين وسلامتهم الجسدية والعقلية.

التطور التاريخي لمفهوم السلامة المهنية

تاريخياً، كانت جهود منظمة العمل الدولية والجهات المعنية بالصحة المهنية تركز بشكل أساسي على حماية العمال من الإصابات الجسدية المباشرة والأمراض الناتجة عن التعرض للمواد الخطرة. ومع تطور بيئات العمل ودخول التكنولوجيا، بدأت المنظمات الدولية تدرك أن الضغوط النفسية، والاحتراق الوظيفي، وغياب العدالة التنظيمية تشكل تهديدات لا تقل خطورة. الطرح الذي تقدمه منظمة العمل الدولية حالياً يعكس نقلة نوعية في فهمنا لبيئات العمل، حيث لم تعد مفاهيم مثل وضوح الأدوار الوظيفية، ودعم الإدارة، والعدالة الإجرائية مجرد أدوات تنظيمية لتحسين الإنتاجية، بل أصبحت تمثل خطوط دفاع أساسية للوقاية من المخاطر المهنية والحفاظ على استقرار المؤسسات.

وفي هذا الإطار، أوضح الدكتور أحمد صمّان، أستاذ الصحة المهنية والبيئية المشارك بقسم البيئة ونائب مدير مركز التميز البحثي للدراسات البيئية بجامعة الملك عبدالعزيز، خلال حديثه لصحيفة “اليوم”، أن تجاهل هذه العوامل لا يقتصر أثره على انخفاض الرضا الوظيفي فحسب، بل يمتد ليشكل تهديداً حقيقياً لسلامة العاملين. وأشار إلى أن الضغوط النفسية المتراكمة داخل بيئات العمل قد تقود إلى ضعف التركيز، وتراجع القدرة على اتخاذ القرار السليم، وهو ما يرفع احتمالات وقوع الأخطاء المهنية والحوادث بشكل ملحوظ.

التأثير الشامل على استقرار البيئة النفسية للعمل

إن أهمية تعزيز البيئة النفسية للعمل تتجاوز حدود المؤسسة الواحدة لتمتد تأثيراتها على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فعلى الصعيد المحلي، تساهم بيئات العمل الصحية في تقليل معدلات الدوران الوظيفي وخفض التكاليف الاقتصادية الناتجة عن الإجازات المرضية وضعف الإنتاجية. أما إقليمياً ودولياً، فإن التزام الدول بمعايير الصحة النفسية المهنية يعزز من تنافسيتها في جذب الكفاءات والمواهب، ويحقق أهداف التنمية المستدامة التي تنادي بها الأمم المتحدة، وتحديداً الهدف المتعلق بتوفير العمل اللائق ونمو الاقتصاد. وأضاف صمّان أن الدراسات الحديثة تشير إلى تصاعد تأثير المخاطر النفسية الاجتماعية، لتنافس بل وتتجاوز في بعض الأحيان المخاطر التقليدية مثل الضوضاء أو التعرض للمواد الكيميائية.

استراتيجيات مراقبة أعباء العمل والوقاية

وأكد الخبير البيئي أن وضوح الدور المهني يمثل نقطة الانطلاق نحو بيئة عمل مستقرة. فالموظف الذي يدرك مسؤولياته بدقة ويشعر بدعم إدارته، يكون أكثر قدرة على الإنتاج وأقل عرضة للغياب أو الوقوع في الأخطاء. وأشار إلى أن بناء بيئة عمل صحية لا يتحقق عبر قرارات عشوائية، بل يتطلب منظومة متكاملة من الإجراءات التنظيمية. تبدأ هذه الإجراءات بمراقبة أعباء العمل وتوزيعها بشكل عادل، مروراً بعقد اجتماعات تنسيقية دورية تسهم في توضيح المهام، ووصولاً إلى تبني سياسات شفافة لاستقبال الشكاوى ومعالجتها، بما يعزز الثقة بين العاملين والإدارة.

وحذر صمّان من أن تهميش الشكاوى أو غياب العدالة الإدارية يحول هذه الأدوات التنظيمية إلى عوامل خطر كامنة، مما يؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في مؤشرات الإجهاد النفسي وزيادة الحوادث المرتبطة بسوء التنسيق والإرهاق. وشدد على أهمية تبني إجراءات وقائية عملية تضمن استدامة بيئة العمل الصحية، مثل إجراء تقييمات دورية للمخاطر النفسية الاجتماعية باستخدام أدوات علمية كالاستبيانات والمقابلات، وتدريب القيادات على مهارات التواصل الفعّال والدعم النفسي.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن قياس أثر هذه الإجراءات يجب أن يتم عبر مؤشرات واضحة، مثل معدلات التغيب، وحجم الشكاوى، ونسب الحوادث المهنية، حيث تمثل هذه البيانات أدوات حاسمة لصنّاع القرار لضمان بيئات عمل أكثر أماناً وكفاءة واستدامة، معتبراً أن التعامل مع العوامل النفسية الاجتماعية لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة العمل الحديثة.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى