الكيروسين الأمريكي وحل أزمة نقص وقود الطائرات في أوروبا

يدرس الاتحاد الأوروبي حالياً خيارات استراتيجية واحتياطية عاجلة لمواجهة أزمة نقص وقود الطائرات المتوقعة خلال موسم العطلات الصيفية. وتشمل هذه الخيارات الاستعانة بـ “الكيروسين الأمريكي”، وذلك في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة التي تلقي بظلالها على أمن الطاقة في القارة العجوز وتهدد سلاسل الإمداد العالمية.
السياق التاريخي لأمن الطاقة الأوروبي
تاريخياً، اعتمدت أوروبا بشكل كبير على واردات الطاقة لتلبية احتياجات قطاع النقل الجوي. ومع اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية، اضطرت الدول الأوروبية إلى إعادة هيكلة سلاسل التوريد الخاصة بها بشكل جذري، متخلية عن الواردات الروسية من المنتجات المكررة لصالح موردين من الشرق الأوسط وآسيا. هذا التحول الاستراتيجي جعل القارة أكثر عرضة للتقلبات في الممرات المائية الحيوية. وقبل تصاعد التوترات الأخيرة في الشرق الأوسط والتهديدات بإغلاق مضيق هرمز، كان نحو 20% من الكيروسين المستهلك في أوروبا يمر عبر هذا المضيق الاستراتيجي، مما يبرز هشاشة الموقف الأوروبي أمام أي صدمات جيوسياسية مفاجئة.
تداعيات جيوسياسية تفجر أزمة نقص وقود الطائرات
أدت التوترات المستمرة، بما في ذلك المخاوف من اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط، إلى ارتفاع حاد في أسعار الوقود. وأثار هذا الوضع مخاوف جدية من حدوث نقص فعلي في الإمدادات خلال ذروة موسم السفر. وفي هذا السياق، صرح دان يورجنسن، مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي، بأن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى مشكلات حقيقية تتعلق بأمن الإمدادات، رغم التأكيد على أن الاتحاد، الذي يضم 27 دولة، لا يواجه نقصاً حاداً في هذه اللحظة، بل يواجه تحديات تتعلق بارتفاع التكاليف.
التأثير الاقتصادي وحركة السياحة العالمية
تحمل هذه الأزمة أبعاداً وتأثيرات واسعة النطاق على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً وإقليمياً، أدى ارتفاع التكاليف إلى إعلان عدة شركات طيران، خاصة الاقتصادية منها، عن إلغاء رحلات أو تعديل مساراتها لتجنب الخسائر، مما يهدد حركة السياحة الصيفية التي تعتمد عليها اقتصادات دول جنوب أوروبا بشكل كبير. دولياً، يعزز هذا الحدث من مكانة الولايات المتحدة كمورد موثوق للطاقة إلى أوروبا، ويغير من خريطة تجارة النفط العالمية. كما يضغط على شركات الطيران لرفع أسعار التذاكر، مما يؤثر بشكل مباشر على ميزانيات المسافرين حول العالم.
هل يكون الكيروسين الأمريكي “جيت إيه” هو الحل؟
كحل بديل، تتجه الأنظار نحو وقود الطائرات الأمريكي “جيت إيه” (Jet A). يختلف هذا النوع عن وقود “جيت إيه-1” (Jet A-1) المستخدم حالياً في أوروبا وبقية العالم، حيث يتميز بنقطة تجمد أعلى، مما يجعله أقل مقاومة لدرجات الحرارة المنخفضة جداً خلال الرحلات الطويلة. ولأسباب فنية، لا يُسمح باستخدامه حالياً في أوروبا. ومع ذلك، من المتوقع أن تنشر وكالة سلامة الطيران الأوروبية توجيهات جديدة لتقييم مدى ملاءمة اللجوء إلى هذا الوقود البديل، وهو ما يتطلب تعديلات تنظيمية ولوجستية قد تستغرق بعض الوقت.
مرصد أوروبي لتتبع المخزونات الاستراتيجية
لإدارة الموقف، أعلنت المفوضية الأوروبية عن إنشاء مرصد للوقود لتتبع الإنتاج، الواردات، الصادرات، ومستويات المخزون. يشترط التشريع الأوروبي على الدول الاحتفاظ بمخزونات نفطية تعادل 90 يوماً من الواردات، لكنه لا يميز بدقة بين المنتجات المكررة مثل البنزين ووقود الطائرات. وتعمل بروكسل على توضيح الأدوات المتاحة للحكومات لترشيد الاستهلاك، مثل إدارة حمولة الطائرات، تخفيف قواعد التزود المفرط بالوقود لتجنب الشراء بأسعار مرتفعة، وإدخال مرونة في مواعيد الإقلاع والهبوط.
نحو مستقبل مستدام للطيران
يرى الخبراء، ومنهم المختص في النقل الجوي ماتيو ميرولو، أن المشكلة الحالية اقتصادية بالأساس، لكنها بمثابة جرس إنذار. على المدى البعيد، تشدد بروكسل على ضرورة تسريع تطوير أنواع وقود طيران مستدامة (SAF) غير أحفورية. هذه الأزمة يجب أن تدفع الدول للاستثمار بكثافة في البدائل المستدامة للطيران المدني والعسكري، ليس فقط لحماية المناخ وتقليل الانبعاثات الكربونية، بل لتحقيق السيادة والاستقلال الحقيقي في مجال الطاقة بعيداً عن تقلبات الأسواق العالمية.



