أخبار السعودية

الذكاء الاصطناعي في الطب: هل يهدد الثقة بقرارات الأطباء؟

حذر اختصاصي الأمراض الباطنية، الدكتور عروة بن محمد حاميش، في تصريحات خاصة لصحيفة «اليوم»، من تنامي ظاهرة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الطب، وكيف أصبح هذا التوجه يغذي الشك في قرارات الأطباء خلال الفترة الأخيرة. وأكد أن هذه الظاهرة باتت من التحديات الكبرى والمؤثرة بشكل مباشر على جودة الرعاية الصحية ونتائجها، لما تحمله من تداعيات سلبية قد تنعكس على صحة المريض ومدى استجابته للخطط العلاجية المقررة.

تطور الذكاء الاصطناعي في الطب: من المساعدة إلى التحدي

لم يكن دخول الذكاء الاصطناعي في الطب وليد اللحظة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من التطور التكنولوجي الذي بدأ منذ عقود. في البداية، اقتصر دور التكنولوجيا الطبية على أرشفة البيانات وتحليل الصور الإشعاعية البسيطة. ومع الطفرة الهائلة في خوارزميات التعلم الآلي، تحولت هذه الأنظمة إلى أدوات قادرة على تحليل كميات ضخمة من البيانات الطبية وتقديم اقتراحات تشخيصية. ورغم أن هذا التطور التاريخي أسهم في إحداث ثورة علمية ساعدت الأطباء على اكتشاف الأمراض مبكراً، إلا أن إتاحة هذه الأدوات للجمهور العام عبر تطبيقات الهواتف الذكية ومحركات البحث التوليدية خلق واقعاً جديداً، حيث أصبح المريض قادراً على البحث عن أعراضه وتلقي تشخيصات محتملة قبل حتى أن يطأ عيادة الطبيب.

سلاح ذو حدين: الشك الإيجابي والسلبي

وأوضح حاميش أن أحد أبرز العوامل التي تقف وراء هذه الظاهرة يتمثل في اعتماد بعض المرضى على الحصول على معلوماتهم الطبية من وسائل الذكاء الاصطناعي دون التحقق من دقتها أو مصادرها، أو مدى ارتباطها بالحالة الصحية الفعلية التي يعانون منها. هذا الأمر يفتح الباب أمام تفسيرات خاطئة تقود إلى التشكيك في التشخيص الطبي. وبيّن أن الشك لدى المرضى يمكن تصنيفه إلى نوعين رئيسيين: إيجابي وسلبي. الشك الإيجابي يلعب دوراً مهماً في تحسين جودة الرعاية الصحية، حيث يسهم في تعزيز فهم المريض لحالته المرضية، ويشجعه على المشاركة في اتخاذ القرار العلاجي، إلى جانب طلب التوضيح أو الاستشارة الطبية الإضافية، وهو ما يعزز جسور الثقة بين الطبيب والمريض دون أن ينتقص من مكانة الطبيب المهنية.

مخاطر تغيير الخطط العلاجية دون إشراف

في المقابل، أشار الاختصاصي إلى أن الشك السلبي يمثل التحدي الأكبر، إذ يؤدي إلى فقدان الثقة بالأطباء بشكل عام، والاعتماد على مصادر غير موثوقة. فضلاً عن قيام بعض المرضى بتغيير خططهم العلاجية بشكل متكرر دون إشراف طبي، مما يضعهم في دائرة من القلق المستمر بشأن التشخيص والعلاج، وينتهي غالباً بزيادة العبء النفسي، وتأخر التدخل العلاجي، وتدهور الحالة الصحية.

الفحص السريري مقابل الخوارزميات

وأكد حاميش أن هناك فرقاً جوهرياً بين ما يقدمه الذكاء الاصطناعي وما يقوم به الطبيب في الممارسة السريرية. التكنولوجيات الذكية، رغم تطورها، تفتقر إلى القدرة على الفحص السريري المباشر، ولا تستطيع تقييم العلامات الحيوية أو ملاحظة التفاصيل الدقيقة التي تُعد عناصر حاسمة في التشخيص. في حين يعتمد الطبيب على منهجية متكاملة تشمل جمع التاريخ المرضي، وإجراء الفحص السريري، والاستعانة بالفحوصات المساعدة للوصول إلى تشخيص دقيق وخطة علاجية مناسبة.

التأثير المتوقع على مستقبل الرعاية الصحية محلياً وعالمياً

إن تداعيات هذه الظاهرة لا تقتصر على النطاق المحلي فحسب، بل تمتد لتشكل تحدياً إقليمياً ودولياً في قطاع الصحة. على المستوى المحلي والإقليمي، قد يؤدي الاعتماد المفرط على التشخيص الذاتي الآلي إلى إرباك أنظمة الرعاية الصحية وزيادة الضغط على العيادات بسبب حالات الهلع غير المبررة. أما على الصعيد الدولي، فإن المنظمات الصحية العالمية تحذر من خطورة المعلومات الطبية المضللة التي قد تولدها بعض النماذج اللغوية غير المخصصة طبياً. ومع ذلك، فإن الاستخدام الواعي لهذه التقنيات يمكن أن يحولها إلى أداة تثقيفية قوية ترفع من مستوى الوعي الصحي المجتمعي، شريطة أن تبقى مرجعية القرار النهائي بيد الطبيب البشري المؤهل.

تعزيز الثقة وبناء وعي صحي سليم

وشدد الدكتور حاميش على أهمية إعادة بناء وتعزيز الثقة بين الطبيب والمريض من خلال أدوار تكاملية. على الطبيب مسؤولية شرح القرار الطبي بشكل واضح ومبسط، وتهيئة بيئة تواصل مفتوحة ترحب بأسئلة المريض واستفساراته. وفي المقابل، يقع على عاتق المريض استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي كوسيلة للفهم والاستئناس بالمعلومة، لا كمرجعية للحكم أو اتخاذ القرار. وأضاف أن من الممارسات الصحية السليمة أيضاً لجوء المريض إلى طلب رأي طبي ثانٍ عند الحاجة، ولكن في إطار مهني يهدف إلى الاطمئنان وتحسين القرار العلاجي، بعيداً عن خلق حالة من التوجس. واختتم تصريحه بالتأكيد على أن التوازن في التعامل مع مصادر المعلومات، والوعي بحدود كل من الطبيب والتقنية، يمثلان حجر الأساس في تحقيق رعاية صحية آمنة وفعالة، تضع مصلحة المريض في المقام الأول.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى