دراسة لزيادة إنتاجية المجترات الصغيرة والأمن الغذائي

أعلنت وزارة البيئة والمياه والزراعة في المملكة العربية السعودية، بالتعاون الوثيق مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، عن نتائج دراسة علمية رائدة ومبتكرة تبرز تحسناً تحويلياً كبيراً في إنتاجية المجترات الصغيرة، وذلك من خلال تطبيق نموذج حديث ومبتكر لتقديم الخدمات المتكاملة للمزارع. وتأتي هذه الخطوة الاستراتيجية في إطار الجهود المستمرة لتعزيز الأمن الغذائي وتحقيق التنمية المستدامة في المملكة.
جذور التنمية الزراعية وتطوير الثروة الحيوانية
تاريخياً، شكلت تربية الماشية، وتحديداً الأغنام والماعز، ركيزة أساسية في حياة المجتمعات الريفية في شبه الجزيرة العربية، حيث اعتمد السكان على هذه الثروة لتأمين احتياجاتهم من اللحوم والألبان. ومع التطور الاقتصادي والنمو السكاني المتسارع، واجه هذا القطاع الحيوي تحديات بيئية ومناخية قاسية، مثل ندرة المياه، والتصحر، ومحدودية الرعاية البيطرية المتقدمة. ومن هذا المنطلق، سعت المملكة العربية السعودية، ضمن مستهدفات رؤية 2030، إلى إحداث نقلة نوعية في القطاع الزراعي. وجاءت هذه الدراسة، التي تحمل عنوان “تحويل إنتاجية المجترات الصغيرة من خلال نموذج تقديم خدمات المزارع”، ضمن برنامج التعاون الفني المشترك بين الوزارة ومنظمة “الفاو”، لتمثل استجابة علمية وعملية لتلك التحديات التاريخية، بهدف تعزيز قدرة الوزارة على تنفيذ برنامج التنمية الزراعية الريفية المستدامة.
نتائج مبهرة في إنتاجية المجترات الصغيرة
أوضحت وزارة البيئة والمياه والزراعة أن النتائج التجريبية للدراسة أثبتت نجاحاً باهراً للنهج القائم على إشراك المجتمع المحلي. ويعتمد هذا النموذج على قيادة فنيي الإنتاج الحيواني المدربين الذين يقدمون حزمة متكاملة من الخدمات الأساسية، تشمل الرعاية الصحية البيطرية، والتغذية السليمة، والإدارة التناسلية المتقدمة. وقد أظهرت الإحصائيات في المزارع المشاركة تضاعف معدل الولادات من 0.4 إلى 0.8، مع زيادة ملحوظة في نسبة ولادات التوائم. كما سُجل انخفاض حاد في معدل النفوق بمقدار الثلثين (من 24% إلى 8%)، بالإضافة إلى زيادة إنتاج الحليب في الأغنام والماعز إلى أكثر من الضعف، مما يعزز مرونة نظم التربية بشكل عام.
أبعاد اقتصادية واستراتيجية تعزز الاستدامة
على الصعيد المحلي، أكد وكيل الوزارة المساعد، الدكتور علي الشيخي، أن تقديم خدمات الثروة الحيوانية بأسلوب منظم يسهم بشكل مباشر في تحسين دخل المزارعين، وتخفيف حدة التحديات المزمنة كارتفاع تكاليف الأعلاف وانخفاض الكفاءة التناسلية. وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن تعميم هذا النموذج وطنياً قد يحقق قيمة مضافة تصل إلى 18 مليار ريال سعودي (4.8 مليار دولار) لإنتاج اللحوم والألبان خلال خمس سنوات، مما يقلص الاعتماد على الاستيراد بنسبة تقارب 50%، ويخلق آلاف فرص العمل الريفية للشباب والنساء.
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فقد أوضح الدكتور نزار حداد، مدير برنامج منظمة “الفاو” في المملكة، أن هذا النموذج يشكل تحولاً نوعياً لا يقتصر تأثيره على الداخل السعودي فحسب، بل يقدم نموذجاً عالمياً قابلاً للتوسع وإعادة التطبيق في المناطق الجافة وشبه الجافة حول العالم التي تواجه تحديات مماثلة. وفي المرحلة المقبلة، ستواصل الوزارة ومنظمة الأغذية والزراعة العمل على توسيع نطاق هذا النهج، وتسهيل الشراكات بين القطاعين العام والخاص لضمان استدامة وتطوير قطاع الثروة الحيوانية بكفاءة عالية.



