شتاء الطائف.. الضباب يرسم لوحات ساحرة على قمم الجبال

مع حلول موسم الشتاء، تخلع محافظة الطائف رداءها الصيفي لتكتسي حلة بيضاء من الضباب الكثيف، مستعيدة حضورها الطبيعي الآسر الذي يمزج بين برودة المرتفعات الجبلية ودفء الأودية السحيقة. وتتحول المحافظة، المعروفة بلقب "عروس المصايف"، في هذه الأوقات من السنة إلى وجهة شتوية استثنائية، حيث تتداخل الرياح الباردة مع خضرة السهول التي ارتوت بماء المطر، لترسم الطبيعة ملامح فصل فريد يغطي فيه الضباب قمم الجبال الشاهقة في الساعات الأولى من الصباح.
لوحة مناخية نادرة في المرتفعات السعودية
وفي سياق تحليل هذه الظاهرة، أوضح الباحث في الجغرافيا البيئية محمد المسعود أن الطائف تُعد من المدن النادرة في المملكة العربية السعودية التي تتشكل فيها لوحة مناخية ثرية ومعقدة خلال فصل الشتاء. وأشار المسعود إلى أن هذه الأجواء تتميز بتساقط الأمطار المتقطعة التي تروي سفوح مراكز الهدا والشفا، مما يؤدي إلى زيادة التدفقات المائية في الأودية الشهيرة مثل "وادي ذي غزال" و"وادي خماس". هذه الظروف المناخية تساهم بشكل مباشر في تنشيط الغطاء النباتي الموسمي، مما يمنح المكان طابعاً حياً ومتجدداً يعزز من قيمته البيئية والسياحية على حد سواء.
الجغرافيا الفريدة وتأثيرها على السياحة
تكتسب الطائف هذه الخصائص المناخية بفضل موقعها الجغرافي المتميز على المنحدرات الشرقية لجبال السروات، حيث يتراوح ارتفاعها ما بين 1700 إلى 2500 متر فوق سطح البحر. هذا الارتفاع الشاهق يجعلها نقطة التقاء للتيارات الهوائية، مما يسبب تكثف السحب وملامستها لأسطح الجبال، خالقةً ظاهرة "العناق الضبابي" التي تشتهر بها المنطقة. وتعد منطقتا الهدا والشفا من أبرز المواقع التي تتجلى فيها هذه الظاهرة، حيث تتحول الطرق الجبلية المتعرجة والمسارات الطبيعية إلى مشاهد سينمائية تجذب عشاق الطبيعة من كل مكان.
انتعاش السياحة الشتوية وعدسات المصورين
وأشار الباحثون إلى أن الطقس الشتوي في الطائف لا يقتصر تأثيره على الجانب البيئي فحسب، بل يلعب دوراً محورياً في جذب الزوار والمصورين والباحثين. فالضباب الكثيف في المرتفعات، والهواء النقي، والهدوء الطبيعي، كلها عوامل تجعل من التجول في المتنزهات الجبلية تجربة غنية لا تُنسى. ويشهد هذا الموسم إقبالاً متزايداً على أنشطة مراقبة السحب، واستكشاف المسارات الجبلية (الهايكنج)، وتوثيق الظواهر الطبيعية الموسمية التي تتفرد بها الطائف، مما يعزز مكانة المدينة كوجهة سياحية مستدامة طوال العام، وليست حكراً على فصل الصيف فقط، وهو ما يتماشى مع مستهدفات السياحة السعودية في تنويع التجارب المقدمة للزوار.



