مخاطر متلازمة المكتب: الجلوس الطويل يهدد القلب والمناعة

في ظل التطور التكنولوجي المتسارع الذي يشهده العالم، تحولت أنماط الحياة البشرية بشكل جذري من الحركة والنشاط البدني إلى الخمول والاعتماد الكلي على الآلات والأجهزة الذكية. هذا التحول الدراماتيكي أفرز تحديات صحية جديدة لم تكن مألوفة من قبل، وعلى رأسها ما بات يعرف بـ «متلازمة المكتب»، التي أصبحت تهدد حياة الملايين حول العالم بصمت.
تحذيرات طبية شديدة اللهجة
وفي هذا السياق، أطلق استشاري الروماتيزم وهشاشة العظام، الدكتور ضياء حسين، تحذيراً شديد اللهجة من التبعات الكارثية لنمط الحياة المكتبي الحديث. ووصف الدكتور حسين الجلوس الطويل دون حركة بـ «القاتل الصامت»، مؤكداً أن خطورته باتت تضاهي، بل وقد تتجاوز، مخاطر التدخين والسمنة المفرطة، وحتى فيروس نقص المناعة المكتسبة، وذلك استناداً إلى مجموعة من الأبحاث الطبية العالمية الحديثة والموثقة.
وأوضح الاستشاري أن الدراسات العلمية الموسعة، التي شملت تحليلاً لبيانات أكثر من مليون شخص، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن البقاء على المقعد لأكثر من ثماني ساعات يومياً دون نشاط بدني يضاعف المخاطر الصحية ومعدلات الوفاة بنفس النسبة التي يسببها التدخين، مما يضع الموظفين والعاملين في المكاتب أمام تحدٍ صحي حقيقي.
أرقام ودراسات صادمة
واستشهد الدكتور ببيانات دراسة مفصلية نشرتها الجمعية الأمريكية للقلب عام 2024، والتي تابعت آلاف النساء لعقد كامل من الزمن. كشفت الدراسة عن نتائج مرعبة، حيث تبين أن الجلوس لأكثر من 11 ساعة يومياً يرفع مخاطر الوفاة بنسبة تصل إلى 57% مقارنة بمن يجلسن فترات أقل. كما استعرض نتائج دراسة تايوانية شملت نصف مليون موظف، أظهرت ارتفاع احتمالية الوفاة بأمراض القلب بنسبة 34% لدى من يقضون ساعات عمل طويلة في وضعية الجلوس، إضافة لارتفاع الوفيات من جميع الأسباب بنسبة 16%.
التأثير الفسيولوجي والاقتصادي
لا تقتصر أضرار الجلوس الطويل على الأرقام والإحصائيات فحسب، بل تمتد لتشمل تأثيرات فسيولوجية فورية. فقد أشار الدكتور حسين إلى أن الجلوس المتواصل لمدة 30 دقيقة فقط كفيل برفع مستويات السكر وضغط الدم، مما يحتم ضرورة كسر هذا الجمود الحركي. وعلى الصعيد العالمي، تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن الخمول البدني يعد رابع عامل خطر رئيسي للوفيات العالمية، مما يكبد الاقتصاد العالمي خسائر فادحة نتيجة تراجع الإنتاجية وزيادة تكاليف الرعاية الصحية.
قاعدة «5 – 30» والحلول المقترحة
وللنجاة من هذا الخطر الداهم، قدم الاستشاري «طوق نجاة» يتمثل في قاعدة «5 – 30» التي أثبتت فعاليتها جامعة كولومبيا. تلزم هذه القاعدة الموظف بالنهوض والمشي لمدة خمس دقائق بعد كل 30 دقيقة جلوس، لإنعاش الدورة الدموية وتقليل المخاطر.
وتطرق الحديث إلى الأعراض الجسدية لـ «متلازمة المكتب»، حيث يعاني أكثر من نصف الموظفين من آلام في الرقبة والكتفين والظهر نتيجة ضعف العضلات والوضعيات الخاطئة، مما قد يؤدي لمضاعفات مثل الانزلاق الغضروفي. واختتم الدكتور حديثه بالدعوة إلى إعادة هندسة بيئة العمل عبر استخدام كراسي طبية داعمة، وضبط الشاشات، وممارسة الرياضة اليومية لمدة لا تقل عن 20 دقيقة لضمان استدامة الصحة والإنتاجية.



