التراث والثقافة

مؤتمر الرياض للفلسفة 2025: حوار الشرق والغرب وأدب الطفل

في خطوة تعكس الحراك الثقافي المتنامي في المملكة العربية السعودية، شهد مؤتمر الرياض الدولي للفلسفة 2025، الذي تنظمه هيئة الأدب والنشر والترجمة، نقاشات فكرية معمقة تحت شعار "الفلسفة بين الشرق والغرب: المفاهيم، والأصول، والتأثيرات المتبادلة". ويأتي هذا الحدث في سياق رؤية المملكة 2030 التي تهدف إلى تعزيز مكانة الرياض كمنارة ثقافية عالمية وجسر للتواصل الحضاري بين الشعوب.

التفاعلات الفلسفية: ما بعد المركزية الغربية

افتتح المؤتمر جلساته بمحاولة جادة لتفكيك السرديات التقليدية حول تاريخ الفكر، وذلك في جلسة بعنوان "التفاعلات الفلسفية بين الشرق والغرب في العصور الحديثة". شارك في الجلسة نخبة من الأكاديميين، منهم الدكتور وليد الزامل، والدكتور ياسر الغامدي، والدكتورة أماني الزعيبي، بإدارة الأستاذ طريف السليطي. وقد ركزت النقاشات على أن الفلسفة لم تكن يوماً حكراً على جغرافيا محددة، بل هي نتاج تراكمي لعمليات الترجمة، والتبادل التجاري، والتفاعل الفني عبر العصور.

وتناول الدكتور وليد الزامل مفهوم "المدن العالمية" وتأثير التحول الحضري على البنية الاجتماعية. وأشار إلى أن المدن الكبرى، رغم قدرتها الهائلة على جذب الاستثمارات والنخب العابرة للقارات، قد تنتج ما يسمى بـ"المدينة المزدوجة"، حيث تتسع الفجوة بين من يندمج في اقتصاد العولمة ومن يبقى على هامشه. ويحمل هذا الطرح أهمية خاصة في ظل النهضة العمرانية التي تشهدها المنطقة، مما يستدعي تبني سياسات حضرية توازن بين الانفتاح العالمي والحفاظ على الهوية المحلية والعدالة الاجتماعية.

الجيوفلسفة والاستشراق التشاركي

وفي بُعد فلسفي آخر، تطرقت الجلسة إلى مفهوم "الجيوفلسفة" كما طرحه الفلاسفة جيل دولوز وفليكس غواتاري. يعيد هذا المفهوم ربط الفلسفة بالأرض والمكان، مؤكداً أن البيئة الإغريقية القديمة لم تكن معزولة، بل كانت فضاءً مفتوحاً لتداخلات تجارية وثقافية مع الشرق والجنوب، مما ساهم في نشأة الفكر الفلسفي. هذا الطرح يفكك المركزية الأوروبية ويفتح المجال لرؤية تعددية لتاريخ الأفكار.

كما تم استحضار نموذج الشاعر الألماني غوته في عمله الخالد "الديوان الشرقي الغربي" كنموذج لـ "الاستشراق التشاركي". وخلافاً للنظرة الاستشراقية التي انتقدها إدوارد سعيد والتي تتسم بالهيمنة، قدم غوته نموذجاً قائماً على الانبهار والاحترام للثقافة الشرقية، مستلهماً من الشعر الفارسي والنصوص القرآنية، مما يؤكد إمكانية قيام حوار حضاري مبني على الندية والتقدير المتبادل.

أدب الطفل: من التلقين إلى التفكير النقدي

وفي الجلسة الثانية، انتقل الحوار إلى مساحة تربوية وفلسفية بالغة الأهمية، حيث قدمت الأستاذة داليا تونسي ورقة حول "أدب الطفل والفلسفة والبيداغوجيا". وسلطت الضوء على القصص المصورة بوصفها وسيطاً يتجاوز مجرد التسلية ليكون فضاءً لطرح الأسئلة الوجودية والأخلاقية.

وأكدت الجلسة على أهمية منهج "الفلسفة للأطفال" (P4C) الذي أسسه الفيلسوف ماثيو لبمن، والذي يدعو إلى تحويل الفصول الدراسية إلى مجتمعات تساؤل. وأوضحت تونسي أن التحدي لا يكمن في قدرة الطفل على الفهم، فالطفل فيلسوف بطبعه يطرح أسئلة حول الموت، والعدالة، والخوف، بل التحدي يكمن في قلق البالغين من هذه الأسئلة المفتوحة التي لا تملك إجابات جاهزة.

واختتمت الجلسات بالتأكيد على أن أدب الطفل الحقيقي هو الذي يحترم عقلية الطفل ويحفزه على التفكير النقدي، بدلاً من الاكتفاء بالوعظ المباشر. ويعد هذا التوجه جزءاً أساسياً من بناء أجيال قادرة على التحليل والاستنتاج، وهو ما يتوافق مع التوجهات التربوية الحديثة عالمياً.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى