العرض الوظيفي والتعويض: حكم قضائي سعودي يحسم الجدل

أصدرت محكمة الاستئناف العمالية في المملكة العربية السعودية حكماً نهائياً يؤكد على مبدأ قانوني هام في تنظيم علاقات العمل، حيث أيدت قرار المحكمة الابتدائية برفض دعوى تعويض رفعها مرشح لوظيفة ضد شركة خاصة تراجعت عن عرض وظيفي قدمته له. وجاء الحكم ليضع حداً للجدل حول الطبيعة القانونية لـ “العرض الوظيفي”، مؤكداً أنه لا يرقى لمرتبة عقد العمل المُلزم ما لم يقترن بمباشرة فعلية للمهام الوظيفية.
تعود تفاصيل القضية إلى تقدم أحد الأفراد بدعوى قضائية ضد شركة خاصة، طالب فيها بتعويضات مالية استناداً إلى المادة السابعة والسبعين من نظام العمل السعودي، التي تنظم التعويض في حالات إنهاء العقد لسبب غير مشروع. وذكر المدعي أن الشركة رشحته لوظيفة “أخصائي موارد بشرية وعلاقات عامة” وقدمت له عرضاً وظيفياً، لكنها أنهت العلاقة قبل أن يبدأ عمله فعلياً. وشملت مطالبه تعويضاً عن الإنهاء، بالإضافة إلى بدل رصيد إجازاته السنوية المفترضة.
الإطار القانوني للعلاقة التعاقدية في نظام العمل السعودي
استندت المحكمة في درجتيها، الابتدائية والاستئناف، في حكمها إلى عدم اكتمال أركان العلاقة التعاقدية النظامية بين الطرفين. فبموجب نظام العمل السعودي، يُعرَّف عقد العمل بأنه اتفاق بين صاحب عمل وعامل، يتعهد بمقتضاه العامل بأن يعمل تحت إدارة صاحب العمل أو إشرافه مقابل أجر. ويشترط لقيام هذه العلاقة وجود ثلاثة أركان أساسية: العمل، الأجر، والتبعية (الإشراف). وفي هذه القضية، لم يثبت قيام المدعي بأي عمل فعلي لدى الشركة، وبالتالي انتفى الركن الأساسي الذي تقوم عليه العلاقة العمالية، مما يجعل العرض الوظيفي مجرد خطوة تمهيدية لا تنشئ التزامات تعاقدية كاملة.
أهمية الحكم وتأثيره على سوق العمل
يكتسب هذا الحكم أهمية بالغة كونه يرسي سابقة قضائية توضح الفارق الجوهري بين مرحلة التفاوض والترشيح ومرحلة قيام العقد الفعلي. فعلى الصعيد المحلي، يوفر هذا القرار حماية لأصحاب العمل من المطالبات التعويضية التي قد تنشأ عن تراجعهم عن عروض وظيفية لأسباب مختلفة قبل توقيع العقد ومباشرة الموظف لعمله. وفي المقابل، يوجه رسالة توعوية للباحثين عن عمل بضرورة عدم الاعتماد على الوعود الشفهية أو العروض المبدئية، والتأكد من توقيع عقد عمل رسمي ومباشرة مهامهم لضمان حقوقهم الكاملة التي كفلها النظام.
يتماشى هذا التوجه القضائي مع الإصلاحات التي تشهدها البيئة التشريعية في المملكة ضمن رؤية 2030، والتي تهدف إلى تعزيز الشفافية والاستقرار في سوق العمل وجذب الاستثمارات. فعلى الصعيد الإقليمي والدولي، يقدم هذا الحكم صورة واضحة للمستثمرين الأجانب والعمالة الوافدة حول الممارسات القانونية المتبعة في السعودية، مما يعزز الثقة في النظام القضائي ويجعل بيئة الأعمال أكثر قابلية للتنبؤ، وهو ما ينسجم مع أفضل الممارسات العالمية التي تفرق بين العرض الوظيفي والعقد الملزم.
وخلاصة القول، قضت المحكمة بأن العرض الوظيفي لا يمنح المرشح صفة “العامل” ولا ينشئ حقوقاً تعويضية كنهاية الخدمة أو بدل الإجازات، ما دامت العلاقة لم تدخل حيز التنفيذ الفعلي من خلال مباشرة العمل. وقد تم قبول اعتراض المدعي شكلاً ورفضه موضوعاً، لتؤكد الدائرة العمالية سلامة الحكم الابتدائي وصحة الأسباب التي بني عليها.



