حوكمة سفر الإفطار في الحرمين: مرحلة ‘الإحسان’ الجديدة

نظام مؤسسي جديد لخدمة ضيوف الرحمن
أعلنت الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي عن دخول مشروع “سفر إفطار الصائمين” مرحلة جديدة ومفصلية تحت عنوان “الإحسان”، ابتداءً من موسم رمضان لعام 1447هـ. أكد المهندس غازي بن ظافر الشهراني، الرئيس التنفيذي للهيئة، أن هذه المرحلة تمثل تحولاً استراتيجياً من الجهود الفردية والاجتهادات المتفرقة إلى منظومة حوكمة شاملة تضمن تقديم وجبات الإفطار لضيوف الرحمن بجودة تليق بشرف المكان وروحانية الزمان.
خلفية تاريخية وتطور الخدمة
لطالما كانت موائد الإفطار في الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان المبارك مشهداً إيمانياً يعكس كرم الضيافة وروح التكافل في الإسلام. على مر العقود، كانت هذه الموائد تُنظم بشكل كبير عبر مبادرات فردية من المحسنين والجمعيات الخيرية، حيث يتسابقون لتقديم التمر واللبن والماء وغيرها من الأطعمة الخفيفة لملايين الصائمين. ورغم القيمة الروحية العظيمة لهذه المبادرات، إلا أنها كانت تواجه تحديات لوجستية متزايدة مع النمو الهائل في أعداد المعتمرين والزوار، مما استدعى الحاجة إلى تطوير آلية العمل لضمان أعلى معايير الجودة والسلامة والانسيابية.
دراسة علمية تمهد الطريق لمرحلة “الإحسان”
تمهيداً لهذه النقلة النوعية، أجرت الهيئة خلال موسم رمضان 1446هـ، وبالشراكة مع القطاع غير الربحي ممثلاً في مؤسسة “بادل”، دراسة ميدانية لقياس تجربة سفر الإفطار. شملت الدراسة عينة واسعة بلغت 10 آلاف صائم، وأظهرت نتائجها مستوى رضا عالٍ وصل إلى 85%. وكشفت الدراسة أيضاً عن 62 نقطة قابلة للتحسين، تم استخلاص 69 فكرة تطويرية منها، وتُرجمت إلى 6 مبادرات رئيسية تشكل أساس منظومة الحوكمة الجديدة.
محاور الحوكمة الثلاثة لضمان التميز
ترتكز منظومة “الإحسان” على ثلاثة محاور رئيسية لضمان تجربة إفطار متكاملة:
- تطوير مكونات الوجبة: بالتعاون مع شركات غذائية كبرى، سيتم توفير وجبات ذات قيمة غذائية متوازنة تشمل تموراً عالية الجودة، فواكه مجففة، مصادر بروتين كالـمكسرات، دهون صحية، مخبوزات، ومياه. وسيتم تنويع الوجبات إلى ثلاث فئات بسعرات حرارية مدروسة لتلبية مختلف الاحتياجات.
- تنظيم آليات التشغيل واللوجستيات: سيتم تحويل المصليات إلى مناطق تشغيلية، تُسند كل منطقة إلى شركة معتمدة مع وجود شركات احتياطية. وُضعت خطة دقيقة لتنظيم عمليات التصنيع، النقل، التوزيع، والرفع، مع تحديد مواقع وقوف مركبات النقل لضمان عدم إعاقة الحركة. تضمن الآلية الجديدة فرش السفر ورفعها لوجستياً بعد الإفطار مباشرة، مع تصنيف النفايات وتحقيق أعلى معايير النظافة وتوحيد هوية العاملين في الحرمين المكي والنبوي.
- حوكمة مسار التبرعات: لتعزيز الشفافية وضمان وصول التبرعات إلى وجهتها الصحيحة، سيتم توجيه جميع التبرعات عبر المنصة الوطنية للعمل الخيري “إحسان”. تشرف على العملية مؤسستا “نسك” و”بادل” لضمان وصول المبالغ إلى الشركات المنفذة، مما يكمل دائرة الحوكمة من التبرع وحتى التنفيذ.
الأهمية والأثر المتوقع
تكتسب هذه المبادرة أهمية كبرى على الصعيدين المحلي والدولي. محلياً، تتماشى هذه الخطوة مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تهدف إلى إثراء التجربة الدينية للحجاج والمعتمرين ورفع كفاءة الخدمات المقدمة لهم. أما دولياً، فإن الحرمين الشريفين يستقبلان ملايين المسلمين من كافة أنحاء العالم، وتقديم خدمة إفطار منظمة وعالية الجودة يعكس الصورة الحضارية للمملكة ويعزز مكانتها كراعية للحرمين الشريفين. من المتوقع أن تساهم هذه الحوكمة في تحقيق انسيابية غير مسبوقة، ورفع مستوى السلامة الغذائية، وتقديم نموذج عالمي في إدارة الحشود وتقديم الخدمات في أقدس البقاع.



