رمضان شهر العمل لا الكسل: رسالة من إمام الحرم المكي

في خطبة جامعة من رحاب المسجد الحرام، أكد فضيلة الشيخ الدكتور عبد الله الجهني، إمام وخطيب المسجد الحرام، على المكانة العظيمة لشهر رمضان المبارك في الإسلام، مشدداً على أنه شهر للعمل والجد والاجتهاد، وليس موسماً للكسل والخمول والتراخي. وأوضح فضيلته أن الله سبحانه وتعالى خص هذا الشهر بالتشريف والتكريم، وفرض صيامه على المؤمنين ليكون فرصة لتزكية النفوس وتهذيب الأخلاق.
السياق التاريخي لرمضان: شهر الفتوحات والعمل
خلافاً للصورة النمطية التي قد ترتبط بالصيام من قلة النشاط، فإن التاريخ الإسلامي يزخر بالأحداث العظيمة التي وقعت في شهر رمضان. فقد كانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في هذا الشهر نموذجاً للتوازن بين العبادة والعمل. فلم يكن الصيام عائقاً أمامهم عن تنظيم شؤون الحياة، والدعوة إلى الله، وإصلاح المجتمع. بل إن أعظم الانتصارات في تاريخ الأمة، مثل غزوة بدر الكبرى التي فرّقت بين الحق والباطل، وفتح مكة الذي كان تتويجاً لسنوات من الدعوة والجهاد، وقعت أحداثها في هذا الشهر الفضيل. وهذا يؤكد أن رمضان كان على الدوام شهراً للحركة والإنتاجية وبذل الجهد في سبيل الأهداف السامية.
جوهر الصيام: تحقيق التقوى والانضباط السلوكي
أشار الشيخ الجهني إلى أن الحكمة الأسمى من تشريع الصيام هي تحقيق التقوى، كما قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”. والتقوى ليست مجرد شعور قلبي، بل هي حالة من اليقظة الإيمانية والانضباط السلوكي. وعليه، يجب على المسلم أن يصون جوارحه عن كل ما حرم الله، فيصوم لسانه عن الكذب والغيبة والنميمة، ويصوم بصره عن النظر إلى المحرمات، ويصون أذنيه عن سماع الباطل، ويمتنع عن الظلم والغش والخداع. فالصيام الحقيقي هو الذي يترك أثراً إيجابياً في سلوك الإنسان وأخلاقه.
أهمية الخطبة وتأثيرها العالمي
تكتسب مثل هذه الخطب من منبر المسجد الحرام أهمية خاصة، حيث يتابعها ملايين المسلمين حول العالم عبر البث المباشر والترجمات. وهي لا تمثل توجيهاً محلياً للمصلين في مكة المكرمة فحسب، بل رسالة عالمية للأمة الإسلامية جمعاء. إن الدعوة إلى جعل رمضان شهراً للعمل والإنتاجية تأتي في وقت تحتاج فيه المجتمعات الإسلامية إلى تعزيز قيم الجدية والإتقان. فهذه الرسالة تساهم في تصحيح المفاهيم الخاطئة حول الصيام، وتحفز المسلمين في كل مكان على أن يكونوا عناصر فاعلة ومؤثرة في مجتمعاتهم، وأن يستغلوا روحانية الشهر الكريم لزيادة العطاء في كافة الميادين، سواء في العبادة أو العمل أو خدمة الناس.
وفي ختام خطبته، دعا فضيلته المسلمين إلى اغتنام أيام وليالي هذا الشهر الفضيل بالإكثار من العبادات كالصلاة وقراءة القرآن والصدقة والذكر، واحترام حرمته، ليكون شهراً للتغيير الإيجابي على المستوى الفردي والجماعي.



