التراث والثقافة

سوق القيصرية ينتعش بالأزياء التراثية استعداداً ليوم التأسيس

مع اقتراب ذكرى يوم التأسيس السعودي، الذي يوافق 22 فبراير من كل عام، تحول سوق القيصرية التاريخي في محافظة الأحساء إلى وجهة رئيسية للعائلات السعودية الراغبة في استحضار عبق الماضي وتاريخ الدولة السعودية الأولى. يشهد السوق، الذي يُعد واحداً من أعرق الأسواق في منطقة الخليج العربي، حراكاً تجارياً كثيفاً وإقبالاً منقطع النظير على اقتناء الأزياء التراثية، في مشهد يجسد عمق الانتماء للهوية الوطنية.

القيصرية.. بوابة التاريخ والتراث

لا يعتبر سوق القيصرية مجرد مركز تجاري، بل هو معلم تاريخي يمتد عمره لقرون، وجزء لا يتجزأ من تراث الأحساء المسجل في قائمة اليونسكو للتراث العالمي. وفي مثل هذه المناسبات الوطنية، يستعيد السوق دوره المحوري كحاضنة للحرف اليدوية التقليدية، حيث تتزين ممراته بالبشوت الحساوية الشهيرة، والعقل المقصبة، والدقلات، مما يمنح الزوار تجربة تسوق ممزوجة بعبق التاريخ.

وقد سجلت المحلات التجارية في السوق إقبالاً مبكراً من الأهالي لشراء مستلزمات الاحتفال، حيث تصدرت "البشوت" المشهد بمختلف أنواعها، وخاصة "البرقا" التي حظيت بطلب واسع لما تمثله من رمزية للمكانة والفخامة الاجتماعية المتجذرة في الثقافة السعودية.

انتعاش سوق الأزياء الشعبية

بدت الحركة في أروقة السوق في ذروتها، حيث حرص التجار على توفير كميات ضخمة ومتنوعة من الأزياء الشعبية لتلبية كافة الأذواق والأعمار. شملت المعروضات الشماغ، والدقلات، والسديريات المطرزة بالنقوش التراثية. ورصدت الجولات الميدانية توافد العائلات بشكل لافت لشراء ملابس الأطفال والرجال على حد سواء، في مظهر يعكس اعتزاز المجتمع بجذوره التاريخية ورغبته في إحياء المناسبة بمظهر يليق بعمق التاريخ السعودي الذي يمتد لثلاثة قرون.

وفي هذا السياق، عبر الزائر "عبدالله الهاجري" عن فخره بالتواجد في السوق لشراء البشوت له ولأطفاله، معتبراً أن الأبناء هم امتداد للتاريخ، وأن الاحتفاء بهذا اليوم يرسخ فيهم معاني الانتماء للجذور. وأشار إلى أن يوم التأسيس يعد يوماً جميلاً يحمل معاني الانتماء والاعتزاز، مؤكداً: "نحب أن نقدم هذه المشاركة لوطننا، ونحتفل بهذه المناسبة العزيزة على قلوبنا، ونسأل الله عز وجل أن يحفظ بلادنا ويديم عليها الأمن والخير".

عودة "دقة الملك عبدالعزيز" والعقال المقصب

من أبرز ملامح الاستعدادات هذا العام، العودة القوية للأزياء التي ارتبطت بملوك وقادة المملكة. وكشف المختص في البشوت "محمد الأمير" عن إعادة إحياء "دقة الملك عبدالعزيز" التاريخية، عبر تنفيذ تفاصيلها الدقيقة والبروج المتفرقة كما كانت تصنع قديماً، لتكون أيقونة ملابس التأسيس لهذا العام. وأشار إلى تزايد الطلب على أقمشة "المارينا" و"الوبر" المنفذة بأجود النقشات، مؤكداً أن البشت الحساوي يظل رمزاً للوقار وقطعة فنية تتوارثها الأجيال.

كما عاد "العقال المقصب" (الشطفة) للواجهة بقوة، وهو الذي ارتبط تاريخياً بلباس الملوك والأمراء. وذكر صانع العقال "صالح السلطان" أن الأسعار تتفاوت بناءً على الجودة وطريقة الصنع، حيث تبدأ من أسعار رمزية للأنواع العادية، وتقفز إلى 1500 ريال للأنواع الفاخرة المشغولة يدوياً بدقة عالية، والتي قد يستغرق صنع الواحد منها ما بين 4 إلى 7 أيام لإتقان تفاصيل الزري الذهبي.

مناسبة تسكن القلوب

أكد المتسوقون أن الاستعداد ليوم التأسيس يتجاوز فكرة الشراء إلى كونه تعبيراً عن الحب والولاء. واعتبر المواطن "عثمان الملحم" أن يوم التأسيس يسكن القلوب قبل أن يكون مناسبة، مشيراً إلى أن شراء الأزياء التراثية يمنح الأبناء شعوراً بهيبة اليوم وقيمته. وقال: "يوم التأسيس لا يحتاج منا تعريف، فهو في قلوبنا قبل كل شيء، واليوم حضرنا للسوق خصيصاً لنتسوق ونشتري المستلزمات والملابس التي تسعد الابناء، خاصة الملابس الوطنية التي تعبر لهم عن حب هذا الوطن والانتماء له".

ويعكس هذا الحراك الاقتصادي والثقافي في سوق القيصرية الأهمية الكبرى ليوم التأسيس، ليس فقط كمناسبة وطنية، بل كمحرك للاقتصاد المحلي وداعم للحرفيين السعوديين الذين يحافظون على إرث الآباء والأجداد من الاندثار.

ناقة نيوز

ناقة نيوز محرّر يقدم محتوى إخباري موثوق ويعمل على متابعة أهم الأحداث المحلية والعالمية وتقديمها للقارئ بأسلوب مبسّط وواضح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى