حليب الإبل والتقنية الحيوية: ثروة طبية تتجاوز الموروث الشعبي

على الرغم من أن نسبة إنتاج حليب الإبل لا تتجاوز 0.4% من إجمالي إنتاج الحليب عالميًا، إلا أن هذه النسبة الضئيلة تخفي خلفها ثروة علمية واقتصادية هائلة بدأت تتكشف ملامحها بوضوح في الآونة الأخيرة. لم يعد حليب الإبل مجرد غذاء تقليدي لسكان الصحراء، بل تحول إلى مادة خام رئيسية في أحدث أبحاث التقنية الحيوية والابتكار الصحي، مما يفتح آفاقًا واعدة لعلاجات طبية متطورة وحلول للأمن الغذائي المستدام.
عام الإبل: نقطة تحول استراتيجية
يأتي هذا الاهتمام المتزايد متناغمًا مع السياق الوطني في المملكة العربية السعودية، خاصة مع تسمية عام 2024 بـ «عام الإبل». هذه المبادرة لم تكن مجرد احتفاء بالموروث الثقافي العريق، بل كانت إشارة انطلاق لدمج هذا المكون التراثي في منظومة الاقتصاد المعرفي. وتعمل المؤسسات البحثية السعودية على استثمار الخصائص البيولوجية الفريدة للإبل، مما يعزز مكانة المملكة كمركز عالمي رائد في أبحاث الإبل وتطبيقاتها الطبية.
ورشة عمل نوعية بجامعة الملك عبدالعزيز
في هذا الإطار، نظم مركز الملك فهد للبحوث الطبية بجامعة الملك عبدالعزيز ورشة عمل متخصصة بعنوان «أبحاث الإبل»، تحت شعار «الإبل عند مفترق طرق الابتكار الصحي والتقنية الحيوية». وهدفت الورشة إلى تسليط الضوء على الإمكانات الكامنة في الإبل كمنصة لتطوير علاجات المستقبل، وربط مخرجات البحث العلمي بمستهدفات رؤية المملكة 2030 في قطاعي الصحة والتقنية.
ثورة «النانو بودي» والعلاجات الدقيقة
أحد أهم المحاور التي تم التوسع فيها خلال الورشة هو استخدام أجسام الإبل المضادة، المعروفة علميًا بـ «النانو بودي» (Nanobodies). تتميز هذه الأجسام بصغر حجمها وثباتها العالي مقارنة بالأجسام المضادة البشرية، مما يجعلها مثالية لاختراق الأنسجة والخلايا بدقة متناهية. ويعد هذا المجال فتحًا علميًا يبشر بتطوير علاجات فعالة للسرطان، والأمراض المناعية، وحتى الفيروسات المستعصية، حيث يمكن هندسة هذه الجزيئات لتوصيل الدواء مباشرة إلى الخلايا المصابة دون الإضرار بالخلايا السليمة.
الأمن الغذائي في مواجهة التغير المناخي
وإلى جانب الشق الطبي، ناقش الخبراء البعد الاستراتيجي للإبل في تحقيق الأمن الغذائي. ففي ظل التغيرات المناخية وشح الموارد المائية عالميًا، تبرز الإبل كحيوانات ذات كفاءة عالية في التحويل الغذائي وقدرة فريدة على الإنتاج في البيئات القاحلة وشبه القاحلة. هذا يجعل من حليب الإبل خيارًا مستدامًا لمستقبل الغذاء، مقارنة بالأبقار التي تستهلك كميات هائلة من المياه والأعلاف، مما يعزز من أهمية الاستثمار في سلالات الإبل وتحسين إنتاجيتها.
نخبة من الخبراء يرسمون خارطة الطريق
شهدت الورشة مشاركة نخبة من العلماء والباحثين الذين قدموا رؤى معمقة حول هذه المحاور، ومنهم الدكتور ثامر الأنديجاني المتخصص في علم الفيروسات، والدكتور فيصل الزهراني أستاذ الأحياء الجزيئية، والدكتور شريف الكفراوي، والدكتور هشام طيب، والدكتور علاء خضر، والدكتور أيمن عباس. وقد أجمع المتحدثون على ضرورة تكثيف الدراسات حول الفيروسات المشتركة وسبل الوقاية منها، لضمان سلامة المنتجات المشتقة من الإبل وتعظيم فائدتها العلاجية.
ختامًا، تؤكد هذه التحركات العلمية أن الإبل ليست مجرد سفينة للصحراء في الماضي، بل هي قارب نجاة نحو مستقبل صحي وغذائي أكثر استدامة وابتكارًا.



