مراصد رؤية الأهلة في السعودية: تاريخها ومواقعها وآلية الرصد

تعتبر عملية تحري رؤية الأهلة في المملكة العربية السعودية حدثاً دورياً يحظى باهتمام محلي وإسلامي واسع، حيث ترتبط به شعائر دينية مقدسة كبداية شهر رمضان المبارك، وعيدي الفطر والأضحى، وتحديد مواقيت الحج. وتجمع المملكة في هذه العملية بين التمسك بالضوابط الشرعية المستمدة من السنة النبوية، وبين استخدام أحدث التقنيات الفلكية لضمان دقة الرصد.
الجذور التاريخية للرصد الفلكي في المملكة
يعود تاريخ الرصد الفلكي المنظم في العهد السعودي إلى بدايات تأسيس الدولة، حيث شهدت مكة المكرمة إنشاء أول مرصد فلكي عام 1948م (1367هـ) فوق قمة جبل أبي قبيس التاريخي بأمر من الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله-. وقد كان هذا الموقع استراتيجياً لإطلالته المباشرة وارتفاعه، قبل أن ينتقل الاهتمام لاحقاً إلى مواقع أكثر حداثة. وفي عام 1957م، تم تأسيس مرصد المدينة المنورة العالمي، الذي شكل نقلة نوعية في متابعة الأهلة.
أشهر مراصد الرؤية الحالية: سدير وتمير
مع التوسع العمراني وازدياد التلوث الضوئي في المدن الكبرى، برزت الحاجة للبحث عن مواقع تتميز بصفاء الجو والارتفاع عن سطح البحر. وهنا ظهرت أهمية مراصد “سدير” و”تمير” الواقعة شمال مدينة الرياض. تُعد هذه المناطق اليوم من أشهر منصات الرصد في العالم الإسلامي، نظراً لطبيعتها الجغرافية الصخرية المرتفعة وجوها الجاف الذي يقلل من نسب الرطوبة والغبار المعيق للرؤية، مما يجعلها قبلة للمترائين واللجان الرسمية عند غروب شمس يوم 29 من كل شهر قمري.
آلية التحري ودور المحكمة العليا
تخضع عملية الرصد لمنظومة دقيقة تشرف عليها المحكمة العليا، التي تضمن موثوقية الشهادة عبر عدة ضمانات، أبرزها الفحص الطبي الدقيق لحدة النظر لدى المترائين. وتعمل اللجان الميدانية تحت إشراف وزارة العدل وبمشاركة مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، حيث يتم تزويد المراصد بتلسكوبات ومناظير متطورة. ولا يتم الاكتفاء بالعين المجردة فحسب، بل يتم الاستعانة بالحسابات الفلكية لتحديد إحداثيات الهلال وزوايا الرؤية بدقة متناهية.
التطور التقني: من العين المجردة إلى ساعة مكة
لم تتوقف المملكة عند المراصد التقليدية، بل واكبت الثورة التقنية بإنشاء مركز برج الساعة في مكة المكرمة، الذي يضم أكبر شبكة مناظير فلكية في العالم. يساهم هذا المركز، إلى جانب المراصد الجامعية مثل مرصد جامعة الملك سعود ومرصد جامعة الملك عبدالعزيز، في تقديم بيانات علمية دقيقة تدعم القرار الشرعي. هذا التكامل بين “الرؤية الشرعية” و”الحساب الفلكي” يعزز من مكانة المملكة كمرجعية موثوقة في تحديد بدايات الأشهر الهجرية للعالم الإسلامي.


